Wednesday, February 16, 2011

الشعر المقاوم

سمات الشعر المقاوم .. نحو صياغة شعرية و نقدية



لعل من أحد أهم أنماط الأدب المعاصر و الذي ساهمت القضية الفلسطينية في إبرازه للقارئ العربي هو الشعر الذي أطلق عليه "شعر المقاومة". و هو الشعر الذي تسلل إلى القارئ العربي عبر العديد من النوافذ التي كانت متاحة في عقود الخمسينات و الستينات و السبعينات من القرن الماضي. وقد كان لشعراء فلسطين من أمثال محمود درويش وسميح القاسم و هارون هاشم رشيد و فدوى طوقان و العديد غيرهم قصب السبق في تأسيس هذا النوع الجديد من "القصيد".

و خلال هذه الفترة إكتظت السجون بالمقاومين الذين أخذوا يصوغون تجربة جديدة وراء القضبان يصنعون بها إرثا جديدا للمقاومة و يسطرون أروع ملاحم المواجهة بين "السجان" و "السجين" المقاوم. و لقد أخذت الكثير من الأشعار بل و الأعمال الفنية المقاومة تخرج إلى النور من ظلام السجن و ذلك قبل خروج "المقاوم". و لقد كان المقاومون في ذلك الوقت يهربون أعمالهم بالعديد من الوسائل التي كانت تتحدى كل جبروت السجن و السجان مما يصيب المحتل بحالة من الرعب عن كيفية تواصل السجين مع مجتمعه. و لقد أطلق على هذا النوع من الابداعات الأدبية "أدب السجون" و التي بإمكاننا أن نصنف جزءا منها هنا تحت إسم "شعر السجون" و الذي أطل علينا قبل أيام شاعرنا "باسم الهيجاوي" بقصيدة جميلة يبدو انه قد رسم لوحتها أثناء تواجده وراء القضبان (قرية حزيران القتيل ـ من أدب المعتقلات, دنيا الوطن June 06 )

ويمكننا تعريف شعر المقاومة بأنه تلك الحالة التي يعبر فيها الشاعر و بعمق و أصالة عن ذاته الواعية لهويتها الثقافية و المتطلعة إلى حريتها الحقيقية في مواجهة المعتدي في أي صورة من صوره, منطلقا من موروثه الحضاري و قيمه المجتمعية العليا التي يود الحياة في ظلها والعيش من أجلها.

فالمقاومة هي مشروع حضاري أصيل لا يستطيع أحد مهما كان سلطانه و جبروته الوقوف أمام سيل هادر من إرادة شعب أو أمة ليمنعهم من تحقيق أهدافهم المشروعة و التي تكفلها شرائع السماء و مواثيق الأرض بكل أنواعها و مشاربها. و من هنا إستمدت المقاومة الفلسطينية شرعيتها الكونية و ذلك بتعاطف كل شعوب الأرض معها. و في هذا المجال تبرز أهمية و دور الشعر المقاوم كشعر رسالي أحد أهم أهدافه العمل على إاستمراية شحن الحس المقاوم ليس فقط في شرايين الشعب صاحب القضية بل و أكثر من ذلك في إتجاه نحو دائرة "العالمية" بل و إن شئت "دائرة الكونية".

لقد حظي الشعر المقاوم باهتمام العديد من دور النشر العالمية و بلغات متعددة, و كان الشاعر الفلسطيني الرائد محمود درويش من بين أؤلئك الذين تمت ترجمة العديد من أعماله الى لغات مختلفة. و درويش نفسه يقول لقد حظيت بعض أعمالي بالترجمة بأكثر مما تستحق في بعض اللغات بينما لاقت أقل مما تستحق في لغات أخرى.

ولعل جزءا هاما من "رسالية" الشاعر الفلسطيني هو تعميق و تجذير "الإنتماء المقاومي" في ذات المواطن الفلسطيني و العربي و الوصول به الى حالة الاحساس الدائم ب"وجودية" المقاومة على الأرض أو حتى تحت الأرض. ومن هنا كان الكلمات المشهورة عن موشيه ديان بعد حرب 1967 و هو يعلن بكل وضوح أن قصيدة يكتبها "شاعر مقاوم" تعادل عنده عشرين "فدائيا". بينما يقول محمود درويش بأنه قد تلقى تهديدا بعدم قرض الشعر أو إلقائه عندما ألقى أول قصيدة له في المدرسة.

إذن ف"الشعر المقاوم" هو الذي يستنهض الأمة من سباتها و يوقظها من نومها العميق, و يعمل على تحريك المشاعر و الأحاسيس وهي مخرجات لا تتأتى إلا بوجود عوامل تحفيز كالاحتلال و الغزو و الاضطهاد الذي تتعرض له الدول و الشعوب.

ومن هنا فإن للشعر المقاوم سمات قيمية أساسية أهمها:

1- البعد الجماعي

2- البعد الانساني

3- معرفة الآخر

و عليه فإن هذا المقال يحاول إعطاء لمحة مقتضبة عن الشعر المقاوم و ذلك من أجل فتح هذا الباب أمام المهتمين و الدارسين و الباحثين من أجل تأصيل هذا النوع من الفنون وصياغة نظرية شعرية و نقدية خاصة به.






جمال الوطن والمقاومة في الشعر العربي
الملخص: - الشعراء العرب رسموا صورة الوطن عبر صورتين، الأولى تحدثت عن جمال
الوطن، وما فيه من طبيعة وقيم ايجابية، والصورة الثانية تحدثت عن المقاومة وعن تعاسة ظروف هذا الوطن عبر ظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. 1- الجمال: ويظهر الوطن بأحلى صوره في قصيدة «الوطن المفدى» للشاعر ابراهيم العريض «البحرين» عندما يصف أرض الطفولة والصبا يقول «1»: سقتِ الغادياتُ أرضاً رعتني طاب للظبي في رُباها المقامُ ورعى الله تربة أنشأتني وعهود الصّبا بها أحلام لاأرتني الحياةُ بعدك أرضاً موطن الدر لا علاكَ مقام تلك أرض الجدود أرضُ أوال حلّ مغناك نضرة وسلام - وماأجمل هذا الوصف وأنبل هذا الحب الذي رسمه الشاعر لأرض الوطن فهي جنة على الأرض، وتتسع دائرة الوطن عند الشاعر لتشمل أرض العروبة، ويضمها البعد القومي. ويرى الشاعر ابراهيم العريض في قصيدة «نشيد أطفال الحضانة» أن علاقة كبيرة بين المكان والأهل من حيث المحبة والشوق يقول: وياوطناً رعى مهدي صغيراً ليعهد لي رعايته فتيّا لأغنى من وجودي وهو فانِ حماك وقد أتاح لي الرّقيا حباكَ البحرُ أثمن مالديه ورملك منه أثمن مالديّا فيا وطني! تعيش لنا غنيّا وياوطني! تعيش بنا قويّا - ويقف الشاعر أحمد شوقي «مصر» على أطلال المكان وهو مكان مقدس في قصيدة البردة، حيث ذكر القاع وغار حراء ومكة، وفي شعر أحمد شوقي يبدو الوطن ماثلاً أمام عيونه بكل جلاله وجماله وهو يصف آثار أسوان يقول«2»: أيها المنتحي بأسوان داراً كالثريا تريد أن تنقضّا اخلع النعل واخفض الطرف واخشع لاتحاول من آية الدهر غضّا قف بتلك القصور في اليم غرقى ممسكاً بعضها من الذعر بعضا كعذارى أخفين في الماء بضاً سابحات به وأبدين بضا أنت سطر ومجد مصر كتاب كيف سام البلى كتابك فضّا وأنا المحتفي بتاريخ مصر من يصن مجد قومه صان عرضا - وفي تجارب الشعراء السوريين الذين أدهشوا المتلقي في رسم صورة الوطن، تطل تجربة الشاعر عدنان قيطاز حيث وجدنا تأثير الوطن، يتجلى واضحاً، وبطاقة المحبة والانتماء للمكان قد أظهرها الشاعر بشكل جلي في قوله: - كلّ أرض يكون فيها لسان الضاد أرضي وجرحها هو جرحي «3/ص5» - والوطن عند الشاعر قيطاز حمل عنده المجد والفخر، وقد أشار إلى الشام وقال فيها: غنّيتُ مجد الشام يوم فخارها وعزفت ألحاني على قيثارها تمضي العصور وأنت سيدة الربا شماء كبر الحق في استكبارها «3/ص11» - ومدينة حماة جزء من هذا الوطن حملت الجمال ووصفها الشاعر عدنان قيطاز وأدهشنا بهذا الوصف، فهي مدينة تضجُّ بالأوابد وبالصفوة والأخيار يقول فيها: أسرتني حماة أم النواعير ومازلت مولعاً بإساري من قديم كانت حماة غراماً ومراماً للصفوة الأخيار «3/ص39» - وعند الشاعرة وداد عبد النور في مجموعة «اخشع يازمان» قدمت شعرها بطقوس روحية، رسمت صورة الشام، وحبها للشام في بعد وطني تقول: - وأسجد فوق تربك ياشام ألستِ الحبّ والحبّ التزام - أصلي للجمال وأي عتب إذا للحسن قد صلى الأنام - ونور الله شعشع في ربانا أضاء الكون فانزاح الظلام «4/ص23» - وعن حضارة هذا «الوطن» تخاطبه الشاعرة وداد بأبيات مدهشة وجميلة تقول: لولا الكواكب في كفيك ياوطني مامرّ عبقر من قربي وحيّاني هنا الرسالات قد عمّت بشائرها صوت السماء بانجيل وقرآن هنا الحضارة قد أرست مراكبها ياأمة أبدعت في كل ميدان «4/ص73» ويجد الشاعر حسان الصاري السحر من بردى، والعينين ترشحان بالعطر فيعبق الكون يقول: من دفة السحر من عري السماء بدا طيف لجلّق عنّاني ومارقدا يذوب العطر من عينيك غاليتي فيعبق الكون تحناناً وماابتردا مسحت عن جفني المسحور سكرته والسحر أحكمه عينان من بردى 2- المقاومة: - وفي مجال شعر المقاومة يرصد الشاعر ابراهيم العريض أرض الشهداء فلسطين يقول فيها: يافلسطينُ وماكنت سوى بيعة الأرض على كفّ السماء اشهدي.. أنّ بياني قد روى فيكِ مايُرضي قلوبَ الشهداء هذه التربة... مذ غنّى بها أهل الحداء لم يُطهرها من الرجس سوى تلك الدماء - ومدينة القدس التي تهتف من أجل الشهادة هي ذاكرة صلاح الدين فيها نخوة الأقصى وبرأي الشاعر أن هذه النخوة هي نداء القدس في أرواح الشهداء والأبطال يقول الشاعر حسان عربش: - هذا نداء القدس في أرواحنا عن عمره لايُسأل الليمون يادولة الشهداء ياقدس القلوب ويا عيون الطهر ياحطين «5/ص14» - إن القدس- المكان المقاوم والمقدس- مازالت تقاوم على الرغم من جراحها وهي أرض الثائرين، وشمس الحق ستشرق فيها ، وملامح مدينة القهر والمقاومة بغداد لها وقع مؤثر في النفس، وهي في رأي الشاعر حسان تاج العرب وحسناء البوادي يقول فيها: - بغداد ياأخت الشآم عروبة ألديك من عذب الفرات شراب؟ - سرقوا ضفائر شهرزاد وحلمها الغالي فما انتصرت لها الأحباب -بغداد يامدناً تفيق على الأسى بسراج جرحك تهتدي الأغراب - بغداد ماسأل الزمان حضارة إلا وأنت على الشفاه جواب «5/ص85» وفي تجربة الشاعرة فاديا غيبور يتجسد الوطن في الأرض التي عشقتها هذه الأرض المليئة بالزهر، والأشجار والتي تتراءى فيها الضفاف الخضر، تقول: فحب الأرض أغناني/ تجذر في دما جسدي وأورق فوق شرياني/ لأني لم أخن زمني ولم أرحل مع الركبان/ ولكني عشقت الأرض والإنسان «6/ص11» -هذه الأرض بنظر الشاعرة هي أرجوانية، لاتعرفها إلا على الخريطة، الحرية معدومة فيها، تضج التقاليد والخرافات في عالمها ، تعمها الأحزان، والوجع القبلي يسيطر عليها، ويسير الكذب الإعلامي حولها، وتجد الظم بكل أشكاله فيها، وهذا ماتطالعه في قصيدة «غداً جئت عينيك» تقول: وأبواب يافا/تعلق أثوابها أرجوحة البحر/ يدمي نوافذها هاجس البرتقال - على شاطئ الجرح والوجع العربي/ فتزهر ليلكة القلب تزهر شوقاً وحباً/ تمر على وجه طفل/ تعمده بالغسق القدس أرضعه الصخر أثداءه «6/ص35» الشاعر عدنان قيطاز يبين أسباب الكفاح والمقاومة، وهناك أسباب وجيهة لذلك بيّنها عندما قال: وبيت المقدس المذعو ر تطويه الدياجير وفي الأقصى وصخرته ضلالات وتزوير وأسياف العلى صدئت وسيف الذل مشهور وفي أعماقنا خور على الأحداق مسطور وكم من عزمة شابت وكم شاخت مغاوير وفي هنّا وفي هينا لقد نام النواطير -إذاً بيت المقدس أحاطه الظلام، وفي القدس ومايحيط بالمسجد الأقصى والصخرة امتلأت بالضلالة والتزوير، وسيوف العرب ذليلة، وصدئت، وفي أعماق النفوس الحيرة والدهشة لما يجري وقد شابت البطولات والعزائم وهرمت الفرسان، وقد نام حماة البلاد. وفي قصيدة أخرى للشاعر قيطاز يتحدث عن مكان مقاوم أمام العدو الذي اجتاح لبنان عام 1982 وتقاعس العرب يومها فقال الشاعر: واخجلتا من عرب نهج العلى لم ينهجوا إلا الشآم عطرها على المدى مؤرّج «7/ص29» وقد مر في الأدب العربي القصائد الكثيرة التي تدعو إلى يقظة العرب ومازلنا نتذكر قصيدة الشاعر ابراهيم اليازجي الذي قال بصوت ثائر ينطلق متحدياً الاستبداد العثماني، ويوقظ الغافلين باللوم والتقريع: تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب فيمَ التعلل بالآمال تخدعكم وأنتم بين راحات القنا سلب ألفتم الهون حتى صار عندكم طبعاً وبعض طباع المرء مكتسب ألستم من سطوا في الأرض واقتحموا شرقاً وغرباً وغزوا أينما ذهبوا هكذا كان الوطن عبر الزمن يحمل الجمال ويحمل أبناؤه القيم الايجابية ويطمع الباغي بخيراته، لذلك تجد المقاومة عند أحراره مستمرة عبر الزمن. المراجع: 1- الشواهد الشعرية للشاعر ابراهيم العريض. 2- الشواهد الشعرية للشاعر أحمد شوقي. 3- أسفار ابن أيوب الحموي «شعر»- منشورات اتحاد الكتّاب العرب، بدمشق 1998 4- مجموعة «اخشع يازمان» للشاعرة وداد عبد النور- دمشق 2002 5- مجموعة عائلة الريحان للشاعر حسان عربش عن دار عكرمة بدمشق عام 2003م 6- مجموعة «ولكني عشقت الأرض والإنسان» للشاعرة فاديا غيبور- مطبعة اتحاد الكتّاب العرب- 1994م. 7- أسفار ابن أيوب الحموي «شعر»- منشورات اتحاد الكتاب العرب، بدمشق

......................................

أن المقاومة ليست طارئة على الشعر وليست حالة جديدة إنما وجدت منذ البدايات الأولى ونجد عند الكثير من الشعراء الجاهليين أشعاراً تدعو لمقاومة المحتل أمثال كسرى أنو شروان وغيره

وتتعدد أشكال المقاومة حيث أنها ليس حكراً على السلاح بل هناك مقاومة اقتصادية ومقاومة ثقافية ومقاومة ضد التطبيع ومقاومة لغوية حيث أن اللغة العربية تتعرض لهجمة للقضاء عليها فتأتي المقاومة اللغوية لصد هذه الهجوم

والمقاومة في الشعر الحديث ظهرت خلال الاستعمار الذي تعرض له الوطن العربي مثل الاستعمار الفرنسي والاستعمار الإنكليزي والإيطالي وأخيراً الصهيوني وهو يختلف عن غيره لأنه استعمار اقتلاعي لأنه يريد أن يقتلع الشعب الفلسطيني من جذوره العربية وهنا لابد من وقفة فظهرت المقاومة في الشعر الحديث ضد الاستعمار الغربي بشكل عام وظهرت المقاومة الفلسطينية في الشعر ضد الاحتلال الصهيوني فمن الشعراء من تبنى القضية بشكل مباشر وكان ذلك صريحاً في أشعار عمر أبو ريشة ونزار قباني

ومنهم من جسد القضية بشكل غير مباشر واختار شخصية تراثية يدعو من خلالها إلى المقاومة بطريقة الترميز أمثال أمل دنقل مثل قصيدة لاتصالح حيث أن الشاعر تخفى خلف شخصية كليب الذي طلب من أخاه الزير بعدم المصالحة

وقصيدة من أقوال اليمامة بنت كليب التي قالت أنا لأصالح إلا حين أجد أبي يعود حياً وهذا نمط غير مباشر لطرح القضية والدعوة للمقاومة.

والجدير ذكره بأن الدكتور خليل موسى دكتوراه في الأدب العربي الحديث- جامعة دمشق.

يعمل أستاذاً في قسم اللغة العربية- جامعة دمشق، وأستاذاً في المعهد العالي للفنون المسرحية عضو جمعية النقد الأدبي في اتحاد الكتاب العرب وله 25مؤلفاً منها .

-الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر- دراسة- 1991.

2-وحدة القصيدة في النقد العربي الحديث- دراسة- 1995- اتحاد الكتاب العرب.

3-النضال العربي والأرمني- مشترك- دراسة 1995.

4- أعشاب - شعر- دمشق- 1997.

5- المسرحية في الأدب العربي الحديث( تأريخ - تنظير- تحليل) دمشق - اتحاد الكتاب العرب- 1997.

وسيصدر له مؤلف بعنوان (جماليات الشعرية) عن اتحاد الكتاب العرب

وله الكثير من الدراسات والمحاضرات الأدبية والمشاركات النقدية في مهرجانات الشعر والقصة


Monday, November 8, 2010

محمد احمد عبدالولي 1940- 1973


 محمد احمد عبدالولي 1940- 1973


ولد محمد عبد الولي في 12 نوفمبر 1939م بمدينة دبرهان الأثيوبية عن أب يمني وأم أثيوبية، وكان والده من المهاجرين الذين انضموا إلى حركة الأحرار اليمنيين.

    * أمضى طفولته في أثيوبيا، حيث درس في مدرسة الجالية اليمنية بأديس أبابا من ثم عاد من غربته سنة 1946م.
    * سافر للدراسة في الأزهر يمصر سنة 1955م، وشارك في تأسيس أول رابطة للطلبة اليمنيين التي انعقد مؤتمرها التأسيسي سنة 1956م.
    * طرد مع 24 طالبا من مصر سنة 1959م، بتهمة الانتماء إلى الشيوعية، وسافر بعدها إلى موسكو ودرس في معهد غوركي للآداب الشهير لمدة عامين، من ثم عاد إلى أرض الوطن بعد الثورة في شمال الوطن في سنة 1962م.
    * انضم للسلك الدبلوماسي قائماً بأعمال سفارات الجمهورية العربية اليمنية في موسكو وغيرها من البلدان إلى أن تفرغ لافتتاح داراً للنشر بتعز.
    * سجن بعدها لمدة عام سنة 1968م، وأعيد إلى سجن القلعة مكبلاً بالقيود مرة أخرى سنة 1972م.
    * له عدة أعمال طبعت منها مجموعته الأولى سنة 1966م ومجموعته الثانية سنة 1972م. وترجمت بعض أعماله إلى الفرنسية والروسية والألمانية والإنكليزية.
    * أشهر روايته "يموتون غرباء" مسلسلة في صحيفة "الشرارة" عام 1971م ومن ثم طبعت في بيروت في دار العودة عام 1973م. وله رواية أخرى هي "صنعاء مدينة مفتوحة"، وقد تعرضت الأخيرة لحملة تكفير عام 2000م.
    * توفى في حادث انفجار طائرة كانت تقل دبلوماسيين من جنوب اليمن
           30/4/1973م.  
                                                      **
شهدت القصة اليمنية في حياة محمد أحمد عبدالولي ازدهاراً لم يسبق له مثيل. ويعود الفضل في ذلك إلى تنوع تجربته وثقافته وموهبته الفنية التي صقلها بدراسة فن القصة. ولم يعتمد على جهده الفردي الذي اكتسبه من القراءة المتواصلة وإنما تابع أثناء دراسته في مصر كل الندوات والمحاضرات ودرس في معهد جوركي للآداب في موسكو مدة عامين.
لقد تعرف عن كثب بكبار أساتذة القصة القصيرة العرب والأجانب. وسمع تقييماً كم كبار الأساتذة لانتاجه القصصي المترجم إلى اللغة الروسية. وكان يحب في بداية حياته القصصية تشيخوف ويوسف إدريس وحنامينا وغيرهم إلى درجة الجنون.
ورغم ذلك، لم يقع كغيره من الناشئين في شبكة التقليد والمحاكاة. وظل يكتب على سجيته، دون التفات إلى حصيلته الثقافية.. فلقد كانت مرارة التجربة التي عاشها في الطفولة والصبا هي المسيطر الأول على كل إنتاجه.
وقع في إحدى قصصه التي لم تنشر بعد ضحية هذه المرارة والشعور بالغربة. فحول القصيدة الشهيرة لمحمد أنعم غالب " الطريق " إلى قصة، لأنها تتحدث عن حالة المهاجر وذويه وبيته في الوطن:
" يا بيتنا على التلال
أني أراه طيف ".
إذن فمحمد أحمد عبدالولي قد سخر ثقافته للتعبير عن هذا الكنز من الملاحظات في المهجر أولاً ثم الوطن، خاصة في السنين الأخيرة.
وأثرى القصة القصيرة اليمنية. ومضى مع زملائه على باذيب وأحمد محفوظ عمر وعلي محمد عبده وغيرهم على هذا الطريق الذي لم يتوان عنه يوماً واحداً منذ عام 1954م.
ومحمد عبدالولي قاض سياسي واجتماعي.. وتتميز قصصه عن بقية  القصص اليمنية بالمواكبة الفعلية للقصة العربية والعالمية من حيث الشكل والمضمون.
فمنذ نهاية الثلاثينات والقصة اليمنية تتخذ طابع الخطابة والوعظ الاجتماعي والسياسي أو تنح ومنحى رومانتيكياً فيما بعد. وقد تأثر أول كاتب قصة يمنية، البراق بأسلوب المنفلوطي في الوعظ، وكان كتاب القصة في عدن حتى عام 1956 مجرد رواة عن حب رقيق مصدره الثقافة وليس الواقع. وكتب الدخان مقطوعات شاعرية صغيرة في الصحف العدنية ثم طبعها في كتيب وانهى علاقته بالقصة. وبدأ علي باذيب يكتب القصة السياسية المباشرة بأسلوب حديث.
كل هذه المحاولات المتنوعة. كانت بداية للقصة القصيرة اليمنية التي مضى على دربها وطورها بشكل جدي محمد أحمد عبدالولي وعلي باذيب وأحمد محفوظ عمر ومحمد الزرقة وزيد مطيع دماج وعلي محمد عبده وغيرهم من الشباب.
كان قاصنا الشهيد أكثر القصصيين اليمنيين انتاجاً وطموحاً للنشر.
فقد أصدر مجموعته الأولى " الأرض يا سلمى " جمع فيها باكورة انتاجه وانطباعاته عن الوطن والغربة. وأصدر مجموعة أخرى باسم " شيء اسمه الحنين " في نهاية عام 1972.
                                                          ***

محمد أحمد  عبدالولي قاص وروائي وكاتب مسرحي من اليمن يعتبره النقاد رائد القصة القصيرة بحق في اليمن، وتحديداً مرحلة الستينيات التي أخذ فيها هذا الشكل السردي يتبلور تدريجياً في اليمن. ذلك أن عبقريته الإبداعية التي استمرت حتى أوائل السبعينيات(زمن وفاته)تجلت أكثر ما تجلت في المعالجة الفنية لجملة من القضايا الاجتماعية: قضية الهجرة من الوطن خاصة وما نتج عنها من قضايا و" مواقف" إشكالية من قبيل قضايا الوجود وموقفه من الدين والله والمرأة، الناتجة كلها عن الظلم الاجتماعي والقهر السياسي. وهذا الأخير يعد" كما يؤرخ اليمنيون لذلك" السبب الرئيسي في هجرة الإنسان اليمني إلى خارج الوطن قراراً من بطش الإمام وقهره الفارض على الناس شتى ألوان العزلة والتخلف والجهل والفقر، المؤدية جميعها إلى بروز ظاهرة الهجرة اليمنية طلباً للرزق وإثبات الذات المفقودة داخل الوطن، فعلى سبيل المثال موقفه من قضية المرأة التي تركها زوجها المهاجر إلى خارج الوطن وهي تعاني من ويلات الوحدة وحملها مسؤولية تربية الأبناء ورعاية الأرض.
وكذا المرأة التي كانت تنتمي إلى ما كان يطلق عليهم بـ" المولّدين" وهم أبناء اليمن المهاجرين المولودين من أمهات حبشيات، كما يوضح كل ذلك موقف  عبدالولي الذي يعد استثنائيا من الوجهة الاجتماعية. ولذلك كان اختبارنا لعبدالولي دون غيره من كتاب القصة اليمنية. اختياراً مقصوداً ومستوعباً حجم الاستثنائية الذي اتسم به موقف  عبدالولي ووجهة نظرة.. الفنية، مادمنا نفهم الرؤية في إبراز معانيها النقدية مرادفة لمصطلح وجهة النظر الذي ينطلق من تقنية الراوي في علاقته بعالمه الحكائي(القصصي أو الروائي).
 

Sunday, October 10, 2010

الروايه التاريخية في الأدب العربي



الروايه التاريخية في الأدب العربي



    [ تعمد العلوم الإنسانية المختلفة إلى دراسة العلاقة الجدلية بين الإنسان والتاريخ واستيعاب أبعادها ،من مثل ما تقدمه علوم التاريخ والأنثروبولوجية والاجتماع وغيرها من نظريات ومعارف ورؤى مختلفة ،وذلك في محاولة لتفسير العلاقة المركبة بين الإنسان من جهة، والمنظومة التاريخية والثقافية من جهة أخرى .

    والرواية ذلك الجنس الأدبي النثري السردي التخيلي ، تحاول التقاط ما هو جوهري وجدلي في علاقة الإنسان بالتاريخ، لتسهم بشكل فاعل وحاضر في تقديم صورها لهذه العلاقة وفق منظورها الفني الخاص ، وضمن حقول الفن والآداب المختلفة، جنباً إلى جنب مع العلوم الإنسانية الأخرى .

    وإذا كانت الرواية بشكل عام " هي تاريخ متخيّل داخل التاريخ الموضوعي "(1) ـ كما يرى أحد النقاد ، فإن لنا أن نلتمس الخيط الذي يشد الرواية إلى التاريخ عبر اشتراكهما بالعناصر الرئيسية : الإنسان والزمان والمكان ، وأكثر من ذلك اشتراكهما بالقصّة أو الطابع القصصي.

    والرواية الأدبية إذ تفرز الرواية الاجتماعية والرواية الواقعية بأنواعها ، والرواية الجديدة، والرواية التاريخية وغيرها ، فإنّ لهذه الأخيرة علاقة خاصّة بالتاريخ ، مستمدة من موضوعها وأسلوبها ، فالرواية التاريخية تشترك مع الرواية الأدبية ـ بصورة عامّة ـ في وجود بنية تاريخيّة تتأسس عليها ، بمعنى وجود فضاء وأحداث وشخوص كما في الواقع ، إلاّ أن الرواية التاريخية تنطلق من أحداث وذوات حقيقية مختلفة في الغالب ، وتشكل جزءاً من تاريخنا وماضينا الممتد حتى اللحظة الراهنة .

    فالرواية ابتداء تقوم على بنية زمنية تاريخية ، تتشخص في فضاء تاريخي ، يمتد من الماضي وحتى اللحظة الراهنة أو القادمة ، تضيئه أحداث تحييها شخصيّات إنسانية فنيّة ، حيّة وكاملة .

    والرواية تعمل على استكناه وحدة الجوهر الإنساني الثابتة عبر امتداد التاريخ ، في سبيل التقاط كل ما هو إنساني وأصيل وصادق ، وهي إذ ذاك تستدخل نظرة علوم الاجتماع والتاريخ والفلسفة وعلم النفس لتدرس من خلالها أعماق النفس البشرية وكينونتها التاريخية والاجتماعية .

    ومن الصعب في تمهيد كهذا الإحاطة بمختلف القضايا والإشكاليات التي يطرحها "تصور الرواية التاريخية "في أدبنا العربي الحديث والمعاصر،بل إن الإحاطة بمختلف الأسئلة المتصلة بالرواية العربية عموماً ،تتنوع وتتعدد بحسب المقتضيات النظرية والتعبيرية التي تخص سؤال الكتابة وإنجازاته التخيلية ،وهذا ما يجعل أسئلة الرواية متجددة باستمرار ليبقى النثر الروائي

    إسهاماً معرفياً وثقافياً مخصّباً للرغائب والأحلام والذوات . غير أنّي سأحاول في هذا التمهيد تناول بعض المباحث التي تسهم في تقديم لمحات نظرية عن الرواية التاريخية ،من حيث التعريف ،وعلاقتها بالتاريخ،وحدودها الفنية والحقيقية .

    تعريف الرواية التاريخية :

    يعرّف جورج لوكاتش الرواية التاريخية بأنّها "رواية تاريخية حقيقية ، أي رواية تثير الحاضر،ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق للذات "(2).فهي بالتالي "عمل فنّي يتخذ من التاريخ مادة له،ولكنّها لا تنقل التاريخ بحرفيته ،بقدر ما تصوّر رؤية الفنّان له وتوظيفه لهذه الرؤية للتعبير عن تجربة من تجاربه ،أوموقف من مجتمعه يتخذ من التاريخ ذريعة له"(3)

    علاقة الرواية التاريخية بالتاريخ :

    إنّ الاعتماد على التعاريف المخصصة لكل إسناد نظري يبحث في علاقة الرواية بالتاريخ من شأنه أن يقود الباحث نحو إعادة التفكير في إشكال كبير يخص علاقة الأدب بالتاريخ وهذا يجعلنا نطرح عدّة أسئلة من مثل :هل الرواية التاريخية هي التي تعتمد الحدث التاريخي مرجعيّة للحدث الروائي ؟وبالتالي فإنّ في هذه الحالة مرجعيتين :مرجعية حقيقية متّصلة بالحدث التاريخي ،ومرجعية تخيلية مقترنة بالحدث الروائي .

    وهذا يصل بنا إلى سؤال هام :كيف يشتغل الحدث التاريخي ضمن الحدث الروائي؟ أي كيف يشتغل الحقيقي ضمن التخييلي؟وسأحاول هنا الوصول للإجابة عن هذه الأسئلة.

    على الرغم من حبّ الإنسان الشديد للماضي بكل ما فيه من تفاصيل وخبرات ـ فالماضي ملك التاريخ ،والتاريخ حافظه ـ ،نجده غالباً ما يعزف عن قراءة كتب التاريخ ،ويمل الحياة بين صفحات هذه المراجع المملوءة بالحشود الهائلة من الأحداث المملة والأخبار المتشابهة ،لاسيّما أنّ أكثر المؤرخين قد يجيدون جمع الأخبار ومقارنتها والاستنتاج منها ،إلاّ أنّهم يقومون بهذا في إطار علمي جاف،ويعرضونها عرضاً قد يكون مملاًّ يغري النّاس بالزهد في كتب التاريخ والوقوف على حوادثه وأخباره .والعنصر الأدبي لازم في كتابة التاريخ ،فإذا أبعد من ناحية احتال على الدخول من منفذ آخر .والشعور بالحاجة إلى هذا العنصر الأدبي هو الذي ساعد على ميلاد الرواية التاريخية ،لأنّ التاريخ يبعث في النفس البشرية التوق للماضي وتقليده في جوانب الخير والحذر من الانزلاق في ثغرات البشرية التليدة والتاريخ حين يصبح بأحداثه وشخصيّاته مادة للرواية ،فإنّه يصير بعثاً كاملاً للماضي ،يرتبط فيه الحاضر بالماضي الخالد في رؤية فنيّة شاملة ،فيها من الفن روعة الخيال وجاذبية الذكرى ،ومن التاريخ صدق الحقيقة .ولعلّ هذا يفسر جاذبيّة الرواية التاريخية التي تحاول أن ترد الحاضر لشيء كان موجوداً فعلاً ، فالقارئ وهو يقرأ الرواية التاريخية يشعر أنّ ما يقرؤه ليس من صنع خيال المؤلّف ،فالخيال وظيفته هنا هو تشكيل الصورة التي كانت عليها الحياة في العهد القديم ورسمها دون تحريف أو زيادة أونقصان ،بيد أنّ الأديب غيّر في مجريات الحدث التاريخي لينسجم البناء الفنّي مع ما يدور في خلده ووجدانه .

    وليصل الأديب في كتابة الرواية التاريخية إلى هذا الغرض من الفائدة والمتعة عليه أن يقرأ التاريخ "قراءة تعمر نفسه بأحداثها وتمتلئ مشاعره بمواقفها ،وسوف يتأثر بها تأثراً يملك عليه نفسه ويستولي على خاطره، وبذلك يندفع للترجمة عن مشاعره والتعبير عن أحاسيسه ،ويصوّر لك نفسيته حينما لامسته تلك الشرارة من الذكرى مما يجعل إنتاجه صورة صادقة من نفسه وفكره وترجمة عن أحاسيسه وعواطفه حيال تلك الحادثة أو البطل الذي عمر نفسه وملأ فؤاده وملك عليه خاطره "(4)فالتاريخ في صورته المعروفة ما هو إلاّ حقائق مجرّدة لها وجود محدد، وقد أعدت سلفاً وبمجرد دخول هذه الحقائق التاريخية في إطار العمل الأدبي يتحول العنصر التاريخي إلى عنصرأدبي. وفيما يتعلّق بالتزام الروائي حقائق التاريخ،يقول لوكاتش :

    "يجب أن تكون الرواية أمينة للتاريخ ، بالرغم من بطلها المبتدع وحبكتها المتخيلة "(5)

    والناقد هنا يرى أمرين ،يتمثل الأول في ضرورة الالتزام بحقائق التاريخ الكبرى دونما تغيير أو تزييف ،فيما يقوم الأمر الثاني على جواز استيعاب الرواية التاريخية للبطل الروائي غير الحقيقي، والحبكة الفنية المتخيلة على خلفية صيرورة الأحداث التاريخية الحقيقية.

    والروائي في استلهامه للتاريخ يعيد ترتيب الأشياء وتوزيع الأدوار كما يريد، تأصيلاً لرؤيته التي يقيم بناءها في معماره الروائي الجديد.

    والروائي في انتخابه للأحداث التاريخية التي تشد نسيج النص ببنيته العميقة والشكلية المتماهيتين "يقدر المسافات، ويشكل الألوان، ويصور الأماكن والحالات، ويركب الحوارات، ويبني المشاهد، ويتعمق في الأمزجة، ويفسر المواقف، ويصوغ ردود الفعل، وينزل إلى حيث تمفصلات المجتمع في مكان وزمان معينين"(6). ليخلق بعد ذلك نصاً إبداعياً نواته وحدة التجربة الإنسانية، بمعنى أنّ ثمة أشياء تتجاوز المكان والزمان لتكون الجوهري في الإنسان.

    هل وجود بعض الأحداث التاريخية في الرواية يكفي للقول بأنها روايات تاريخية؟

    يكاد التاريخ أن يكون منظومة من الأحداث والتمثلات لواقع قائم، متجه نحو الماضي، في حين يكاد التاريخي يكون منظومة من الأحداث والتمثلات لواقع ممكن، متجه نحو المستقبل.ولعل هذا يجعل المسافة بين الواقع والقائم والواقع والممكن تماثل المسافة التي يختزلها سؤال الكتابة بين الحقيقة والاحتمال.

    إن التعامل مع التاريخ من حيث هو مكون روائي لايعني اعتماد التاريخ بديلاً للتخيل، وكأنّ الرواية التاريخية بتكامل مستويات البناء والتجنس لاتكمن في طبيعة الأحداث التي تعرض لها،بل في الطريقة التي تقدمها بها"(7) والعلاقة بين الرواية والتاريخ هي علاقة يتم في ضوئها تمثل البؤرةالسردية:الشخصية،الزمن،الفضاء....ولذلك،لاترتب ط الرواية بالتاريخ لتعيد التعبير السمة السردية للكتابة الروائية والتاريخية وتدقيق مجال الاشتغال والتفاعل والتنويع عما قاله التاريخ "بلغة أخرى"،واعتماد الرواية التاريخية على الحدث التاريخي لايعني أنها تعيد كتابة التاريخ بطريقة روائية فحسب بل قد ترتبط الرواية بالتاريخ للتعبير عمّا لا يقوله التاريخ.

    إنّ الرواية العربية، وهي لاتعيد استثمار التاريخ في إنتاجها للدلالة الروائية، تقدّم توظيفات مختلفة في الفهم والقصد، لأنّها تختار كيفية محددة في القول والتركيب وإنتاج التخييل، ولأنها تعبر أيضاً عن الحاجة إلى الرواية، والحاجة لأن تكون تاريخية كذلك.

    ويمكننا القول إنّ الرواية التاريخية هي نتيجة امتزاج التاريخ بالأدب؛فالتاريخ ما هو إلاّ حقائق مجرّدة لوقائع تاريخية معينة سواء كان الأمر يتعلّق بالحوادث أو بالشخصيّات ،بيد أنّ هذا التاريخ المجرد عندما يدخل بنية أساسية تعتمد عليها الرواية يأخذ شكلاً جديداً؛ بحيث يصبح عنصراً فنيّاً من عناصر تكوين الرواية، فيخضع حينها لكاتب الرواية الذي يفسره وفقاً لمزاجه الشخصي، لذا فإن "كتابة الرواية التاريخية محفوفة بالمزالق لأنّ الشخصيّات في التاريخ لها وجود محدد، أو بعبارة أخرى هي معدّة سلفاً وكذلك الأحداث التاريخية والمكان والزمان وغيرها، وعلى الفنّان أن يصوغها صياغة جديدة لا أن ينقلها كما هي في التاريخ، وهذا العمل هو الذي يجعل اتخاذ التاريخ مادة للرواية عملاً مشروعاً "(8) لكن يشترط في هذه الصياغة للمادة التاريخية أن تحافظ على كنهها وواقعيتها التاريخية كما هي، فيؤذن للروائي أن يحذف أو يزيد على الحدث التاريخي؛لكن ضمن ضوابط المحافظة على جوهر المادة التاريخية المعاد صياغتها في العمل الأدبي.

    وهناك علاقة طبيعية بين التاريخ والفن الروائي، فالمؤرخ حين يعمد إلى تصوير التاريخ وتسجيل أحداثه عليه "أن يلزم شكلاً من الأشكال السردية الثلاثة، وهي :الحوليّات والأخبار والتاريخ.

    أمّا الحوليّات annals ، فمعناها سنوياً وهي مشتقّة من أصل لاتيني.

    أمّا الأخبار chronicles ، فالأصل يرجع إلى اليونانية chronika وتعني زمنياً .

    ومن هنا يتضح أنّ المصطلحين (الحوليات والأخبار) مشتقّان من فكرة الزمن، فهما سجل أو قائمة أحداث مرئية مرتبة ترتيباً زمنياً، ولايظهر منها المحور الاجتماعي الذي يصور أحوال الأمّة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أي دون احتوائهما للعنصر القصصي.

    أمّا المصطلح الثالث، التاريخ history فهو يعني قصة وتاريخاً في آن واحد ـ أي أنّ التاريخ هو احتواء للأحداث في قالب قصصي، يعنى المؤرّخ فيه بذكر الأنظمة الاجتماعية والسياسية السائدة من حوله في سرده لأحداث التاريخ مما يقرب عمله هذا من عمل روائي؛ حتى قال كروتشة :

    "لا تاريخ بلا قص"أي أنه ليس هناك مانع من إضفاء البنية القصصية أثناء تناول أحداث التاريخ وتسجيلها"(9).

    ومن هنا يتضح لنا وجود ارتباط فطري بين التاريخ والفن الروائي،إذ إن كليهما يتضمن سرد الأحداث بشكل قصصي. ولوجود هذه العلاقة بين الفن والتاريخ اتجه الكتّاب إلى قراءة هذا المصدر الثري،وهضم صوره وصياغة موضوعاته صياغة حيّة نابضة لتغدو وسيلة للتعبير من خلالها عن أنفسهم ذواتاً تحس وقلوباً تنبض.

    بداية ظهور الرواية التاريخية الغربية والعربية

    يذهب الدارسون إلى القول إن "الرواية الغربية [نشأت] في مطلع القرن التاسع عشر،وذلك زمن انهيار "نابليون"على يد الكاتب الاسكتلندي والتر سكوت 1771 ـ 1832م إذظهرت رواية سكوت "ويفرلي"عام 1814م"(10)، وإن معظم من جاءوا بعده اهتدوا بما قرره وساروا على نهجه .وقد كتب سكوت سلسلة طويلة من القصص التاريخي لاقت نجاحاً كبيراً في إنكلترا وله أعمال أدبية متعددة، من أشهرها الرواية التاريخية (ايفانهو) سنة 1819م، و(الطلسم) سنة 1825،ولقد تبع سكوت في كتابة القصة التاريخية عدد كثير من الروائيين، فمن إنكلترا سار على نهجه (بالورليتون وجورج البوت) وغيرهما.ولم يقتصر تأثيره الفني على إنكلترا وحدها بل تعداه إلى فرنسا وروسيا وأمريكا "(11)فظهر في الأدب الفرنسي الحديث (الكسندر دوماس الأب 1802 ـ 1870)، وقد نشر من سنة 1844 ـ 1852م رواياته الشهيرة التي سارت بالقارئ من عصر لويس الثالث عشر إلى عودة الملكية خلال الحوادث الرئيسية في التاريخ الفرنسي "وقد تبع الكسندر دوماس في هذا الاتجاه الكاتب الفرنسي (فيكتور هيجو)(12)، وكتب هيجو "روايتين تاريخيتين بينهما حوالي أربعين سنة هما: نوتردام دو باري سنة 1831م ، وكاتر فان تريز سنة 1873م"(13) ومن هذين الأديبين انتقل هذا اللون الروائي التاريخي إلى سائر الآداب العالمية الأخرى، ففي الأدب الروسي مثلاً نجد "ليوتولستوى..1828 ـ 1910، الذي كتب روايته (الحرب والسلام) التي تعد أعظم الروايات التاريخية..(14)

    أما الرواية التاريخية العربية فقد اختلفت آراء النقاد المحدثين في جذورها، وانقسموا في هذا الإطار إلى ثلاثة اتجاهات :

    الأول : يرى أنّ القصة التاريخية "كانت تطوراً طبيعياً عن التراث العربي القصصي"(15)

    أمّا الاتجاه الثاني ،فإنّه يقرر بـ"أن القصة التاريخية الحديثة لم تكن امتداداً للقصّة التاريخية القديمة كقصّة عنترة والسيرة الهلالية وسيرة الأميرة ذات الهمّة وسيرة الظاهر بيبرس وغيرها، فقد زال هذا النوع من الأدب الذي كان صدى للبيئة التي وجد فيها ...، وما هي إلاّ فرع من فروع الثقافة التي جاءتنا عن الغرب في النهضة الحديثة."(16)

    ويرى أصحاب الاتجاه الثالث أن الرواية التاريخية نشأت نتيجة مزاوجة بين الموروث من التراث العربي القديم وبين ما جاءنا من الغرب حيث "تمخض الوعي عن حركة مزاوجة كبرى بين القصص القومي القديم بألوانه التقليدية والعصرية والشعبية والتجارية وبين المثل العليا الغربية والإنسانية للقصة، ونتج عن حركة المزاوجة انقسام القصص الفني إلى قصص تاريخي طويل وقصير إلى قصص اجتماعي طويل وقصير"(17).

    وأرى أنّ للعرب إرثهم القصصي الشعبي كالسير والتخيلات القصصية والشعبية والقصص الشعري، فلا أحد يستطيع أن ينكر هذا الضرب من الفن القديم . وطبيعة الشعوب أنّ بعضها يفيد من بعض، فالأوروبيون مثلاً في العصر الحديث أفادوا من قصص ألف ليلة وليلة ووظفوها في أعمالهم القصصية ، وأنتجوا فناً متقدماً من الأدب تجاوز المنثور إلى الممثل والمرئي، فالحال نفسه عند العرب الذين أفادوا من الخطوات الأوروبية في الرواية الحديثة، فنسجوا على منوالها أدباً جديداً يحاكي الأدب الأوروبي عرف باسم الرواية التاريخية العربية.

    ويمثل سليم البستاني وجورجي زيدان وأنطون فرح ويعقوب صروف وأمين ناصر وغيرهم الجيل الأول من كتاب القصة والرواية التاريخية، وهو الجيل الذي انصرف جهده إلى التاريخ في سياق حكايات تكون أكثر تسلية وتشويقاً للقارئ (18)، ثم تبعهم الجيل الثاني؛ جيل الذين "استلهموا لحظات ومواقف قديمة من التاريخ العربي والإسلامي، وكان هذا الاستلهام للأشكال والموضوعات التراثية والوطنية والاجتماعية والأخلاقية والعاطفية تجليات أدبية ـ بمستويات أدبية ودلالية مختلفة ـ لمحاولات إبراز الذات القومية في مواجهة الغرب"(19) واستلهم بعض الكتاب هذا التراث في رواياتهم بهدف بعث أمجاد الماضي وبطولاته، ومن هؤلاء عادل كامل ونجيب محفوظ وعبدالحميد جودة السحّار ومحمد فريد أبو حديد وعلي أحمد باكثير وعلي الجارم،وقد صدرت روايات هؤلاء في الأربعينات"(20)وعلى الرغم من هذا العدد الوافر من الروائيين الذين كتبوا الرواية التاريخية في فترة متقدمة، إلاّ أنّ المنحى التاريخي يحتاج من القاص أو الروائي إلى وعي عميق ومعرفة شاملة بالحياة الاجتماعية خلال الفترة التي يؤرخ لها فنياً،وعلى ذلك جاءت أعمال باكثير التاريخية، فيها نوع ملموس من التوازن بين متطلبات الحياة الاجتماعية والفنية، وتطلعه الجاد نحو تأصيل فني للرواية التاريخية الإسلامية، وبذلك جاء الحدث التاريخي في رواياته مرتبطاً بالرؤية الاجتماعية التي كانت تنطلق من التاريخ وتميل به إلى معالجة الواقع .

    ومن ثم نستطيع القول: إنّ الرواية الفنية التي ظهرت مؤخراً في البيئة العربية قد تفرعت وتعددت ألوانها، يظهر هذا في التصنيف الذي أعده الدكتور محمد مندور للاتجاه القصصي الحديث عند العرب؛ بادئاً بأول نوع تفرع عن القصة الفنية الحديثة عند العرب وهو "الاتجاه التاريخي الذي ابتدأه جورجي زيدان ،وجاء بعده فريد أبو حديد فجدد في معناه وحدد من وسائله وأوشك أن يخلقه خلقاً جديداً في "الملك الضليل"و"زنوبيا"، وتبعه في ذلك شاب ينبعث منه الأمل وهو علي أحمد باكثير كاتب "أخناتون" و"سلامة القس" و"جهاد " التي نالت إحدى جوائز وزارة المعارف، أما القصة التحليلية فتمثلها "سارة " للعقّاد، أما أدب الفكرة الذي يصدر عنه توفيق الحكيم، ومنحى طه حسين الذي يتميز بموسيقاه وتدفق عواطفه، وأخيراً لدينا الأدب الواقعي الذي برع فيه محمود تيمور".(21)

    وتعد الفترة "مابين 1939 ـ 1952 هي الفترة التي بدأ فيها التحول الحقيقي نحو اعتبار الرواية فناً يمكن أن تتوفر جهود الكاتب عليه، وفيها اتضحت معالم اتجاهات فنية وموضوعية، بحيث لم يعد الكاتب يعتمد على مغامراته الفردية ، وإنما يستند إلى تجارب سبقته على الطريق وإلى أسس ينطلق منها معاصروه من الكتّاب، فالاتجاه نحو استلهام التاريخ أصبح يشكل معلماً واضحاً"(22)، فاهتم الأدباء والكتّاب بكتابة الرواية التاريخية التي تعالج القضايا المعاصرة في الساحة العربية. وهذه الفترة هي فترة النضج للرواية التاريخية، ولا أقصد التقليل من شأن الروايات التاريخية التي كتبت فيما بعد ولكنني أحسب أنّها جاءت صدى لروايات تلك الفترة.

    وإبان تلك الفترة ظهر تيّاران نقديّان: تيّار يدعو إلى التجديد والأخذ بأسباب الحضارة الأوروبية في جميع العلوم الأدبية والعلمية . وتيّار يدعو إلى المحافظة على القديم وخاصّة التراث العربي الموروث، وكانت وسيلة أصحاب هذا التيار "العمل على إحياء تراث العروبة في الدين والعلم والفن"(23) فكان من الطبيعي أن يتجه أنصار التيار الثاني إلى التاريخ ليختاروا منه ما يصلح أن يكون مادة لقصصهم لخدمة أهداف تيارهم.

    ولعل هذا يفسر لنا سبب إقبال الأدباء ذوي الطابع الديني غالباً على كتابة القصّة التاريخية.

    والنّاظر في تلك الحقبة الزمنية التي انبثقت منها الرواية التاريخية يمكنه أن يعيد ازدهار الرواية التاريخية إلى عاملين :

    أولاً :ـ ارتباط ذلك القصص بالحركات الثورية الإسلامية منها والقومية، إذ إنّ كتابتها وقراءتها كانت نوعاً من مقاومة الاستعمار، وكان يلجأ إليها الأديب تعبيراً عن شعوره القومي الذي يخفيه خشية من بطش المحتل.

    ثانياً :ـ وجود هذا النوع من القصص كان صدى للنزعة العامّة للعصر حينذاك التي كانت تدعو إلى إحياء التراث الإسلامي والمحافظة عليه لمواجهة التيارات الأوروبية الوافدة ـ كما بينت آنفاً ـ .

    من هنا نستطيع التأكيد بأنّ الرواية التاريخية في تلك الفترة بالذات استطاعت أن تعبر عن التيارات الفكرية التي كان يموج فيها الواقع، وتفرضها الأحوال المعيشية والظروف السياسية والاقتصادية .

   



«الرواية التاريخية» إلى «التخيّل التاريخي»



آن الأوان لاستخدام مصطلح «التخيّل التاريخي» بدل مصطلح «الرواية التاريخية»، فهذا الاستبدال يدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطّي مشكلة حدود الأنواع الأدبية ووظائفها، ثم إنه يفكك ثنائية التاريخ والرواية، ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة، ولا يرهن نفسه لأي منهما، كما أنه سوف يتجاوز أمر البحث في مدى توفر الكتابة على مبدأ المطابقة مع المرجعيات التاريخية، ومدى الإفراط في التخيلات السردية، ثم إنه ينفتح على الكتابة الجديدة التي لم تعد حاملة للتاريخ، ولا معرّفة به، إنما باحثة في طياته عن العِبر المتناظرة، والتماثلات الرمزية، والتأملات، والمصائر، والتوترات، والتجارب، والانهيارات القيمية، والتطلعات الكبرى، فكل هذه المسارات الكبرى في «التخيّل التاريخي» تنقل الكتابة السردية من موقع جرى تثبيت حدوده بصرامة إلى تخوم رحبة للكتابة المفتوحة على الماضي والحاضر بالدرجة نفسها من الحرية والاهتمام.

ويمكن القول بأن «التخيّل التاريخي» هو المادة التاريخية المتشكّلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها المرجعية واكتسبت وظيفة جمالية؛ فأصبحت توحي بما كانت تحيل عليه لكنها لا تقرّره، فيكون التخيّل التاريخي من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المُعزّز بالخيال والتاريخ المُدعّم بالوقائع، وقد ظهر على خلفية من أزمات ثقافية لها صلة بالهوية، والرغبة في التأصيل، والشرود نحو الماضي بوصفه مكافئا سرديا لحاضر كثيف تتضارب فيه الرؤى، وتتعارض فيه وجهات النظر، فوصول الأمم إلى مفترق طرق في مصائرها يدفع بسؤال الهوية التاريخية إلى المقدمة، ولكن الخطر ينبثق حينما يروّج لوهم مفاده أنه بالارتماء السلبي في أحضان التاريخ يمكن تجنّب رهانات الحاضر المعقّدة، فيصبح الاتكاء على الماضي ذريعة لإنتاج هوية تقول بالصفاء الكامل، والنقاء المطلق. إن وجود الماضي في قلب الحاضر يكون مهما بمقدار تحوّله إلى عبرة، وتجربة للتأمّل.

تحتلّ التخيلات التاريخية منطقة التخوم الفاصلة بين الواقعي والخيالي. ولطالما نظر إليها على أنها منشطرة بين صيغتين كبريين من صيغ التعبير: الموضوعية والذاتية، فهي نصوص سردية أعيد حبك موادها التاريخية، فامتثلت لشروط الخطاب الأدبي، وانفصلت عن سياقاتها الحقيقة، ثم اندرجت في سياقات مجازية، فابتكار حبكة للمادة التاريخية هو الذي يحيلها إلى مادة سردية، وهذا يعني إعادة إنتاج التاريخ بالسرد، وما الحبكة إلا استنباط مركز ناظم للأحداث المتناثرة في إطار سردي محدّد المعالم.

ولطالما ارتسم، على مستوى الأنواع الأدبية، تناقض واضح بين التوثيق التاريخي، والسرد الخيالي، ذلك أنهما «يختلفان في طبيعة الاتفاق الضمني المعقود بين الكاتب وبين قارئه». ومعلوم بأن هذا الاتفاق عرفي لكنه «يُبنى على توقّعات مختلفة من ناحية القارئ، ووعود مختلفة من ناحية المؤلف»، فحينما يفتح قارئ صفحات كتاب روائي، فإنه يهيّئ «نفسه ليدخل عالما غير واقعي» وفي هذا العالم الجديد فإن «معرفة مكان وقوع الأحداث وزمانها هي مسألة في غير محلّها». ولكن حينما «يفتح القارئ كتاب تاريخ يتوقّع أن يدخل، تحت قيادة الأرشيف، في عالم من الأحداث التي حصلت بالفعل». إلى ذلك فإنه يأخذ حذره ويطلب خطابا إن لم يكن صحيحا بصورة تامة «فعلى الأقل (يكون) ممكنا وقابلا للتصديق ومحتملا، وفي كل حال أمينا وصادقا». ذلك ما توصل إليه «بول ريكور».

ثم جرى التفريق بين التاريخ الذي هو «خطاب نفعي يسعى إلى الكشف عن القوانين المتحكّمة في تتابع الوقائع» والسرد الذي هو «خطاب جمالي تقدّم فيه الوظيفة الإنشائية على الوظيفة المرجعية» كما يقول محمد القاضي، فينتج عن هذا أمران، أولهما أجناسي يتصل بـ «العلاقة بين الوظيفتين المرجعية والتخيلية في الخطابين التاريخي والأدبي. فالمؤرخ وإن خيّل يظل متحركا في مجال المرجع، أما الروائي فإنه وإن رجع إلى الواقع ماضيا أو حاضرا يظل خطابه مندرجا في حقل التخيل. فالتاريخ يقدّم نفسه على أنه انعكاس وصياغة لفظية لأحداث واقعة، أما الرواية فتقدّم على أنها إبداع وإنشاء لعالم محتمل». وثانيهما يختص بنظرية الأدب «ومدارها على علاقة التناقض بين الخطابين التاريخي والروائي، فليس من شكّ في أن الرواية التاريخية تنطلق من الخطاب التاريخي، ولكنها لا تنتسخه بل تجري عليه ضروبا من التحويل حتى تخرج منه خطابا جديدا له مواصفات خاصة ورسالة تختلف اختلافا جذريا عن الرسالة التي جاء التاريخ مضطلعا بها».

وعلى هذا يندرج التاريخ في «منظومة الأجناس ذات الغاية النفعية» وتندرج الرواية في «منظومة الأجناس ذات الغاية الجمالية». ثم تندمج هذه الثنائية في الرواية التاريخية التي تتميز عن غيرها من أنواع الكتابة التخيلية بكونها «تعلن استنادها إلى حوادث ماضية دوّنها السابقون، ومن ثمّ فإنها تستمد وجودها من الدوران حول هذا النص أو النصوص الماضية، مما يكتّف صلتها بهذه الوقائع ويضفي على عالمها صبغة مرجعية واضحة»، فهويتها السردية تتحدد من خلال «التنازع بين التخيّلي والمرجعي». فتكون الراوية التاريخية نوعا من السرد الذي «يرمي إلى إعادة بناء حقبة من الماضي بطريقة تخّيلية حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة».

 ** منشور في صحيفة "العرب" القطرية في 28 إبريل 2010



Thursday, October 7, 2010

فاطمة يوسف العلي وقصتها في قاعة المحكمة

استطاعت الكاتبة فاطمة يوسف العلى فى مجموعتها الجديدة " لسميرة وأخواتها " أنت تحقق انجازا جماليا ومعرفيا وذلك من خلال صياغات جديدة لإستنطاق المسكوت عنه فى حياة المرأة العربية ,ومن ثم تجاوزت القضايا التى تثيرها قطرا بعينه واقتربت بل توحدت الهموم فأصبحت تستوعب المرأة العربية فى أى قطر كانت , ويبدو أن مرحلة النضج الفنى وخبرات الكتابة والتجربة الخصبة , كل ذلك أسهم بشكل واضح فى الوصول إلى هذه الدرجة من التميز , وهذا لا يمنع من الإشتباك النقدى مع هذه القصص التى يجب أن تحظى بنوع من الغربلة النقدية , فهذه القصص تثير أسئلة هامة وتتضمن فى نسيجها اشكاليات جمالية ومعرفية ويبدو أن الكاتبة أرادت هذه المرة أن تغامر وتسبح فى محيط التجريب والتحديث ومن ثم قدمت لمشروعها هذا فى قصتها الأولى التى تحمل عنوان " فى قاعة المحكمة " فالشخصية المحورية فى هذه القصة وهى " وعد " متهمة , والإتهام موجه لها كما نرى
- يا وعد , قولى لهم , قولى لهم يا وعد , ماذا فعلت بالحروف والكلمات والجمل , أنت تعلمين فعلتك النكراء , وتطاولك على حمرة الخجل اللغوى وتعبثين فى اللغة بحجة التجديد وأنت تعلمين أن التجديد فى اللغة قمة الهذيان , حتى لا يستطيع أحد أن يمسك فيك كتفا أو رجلا , أنت متخمة بالتهيؤ يا وعد الأن ارتفعى الى مستوى نخاعى , وارفضى الإتهام
الكاتبة تطرح قضية اللغة التى هى أساس كل تجريب وتجديد والذى هو فى نظر البعض مجرد هذيان , وهذه هى القيمة الجمالية التى تثيرها القصص , أما القيمة المعرفية المقترنة بها والتى تكشف وتفصح عن المستور فقد جاء ذلك على لسان القاضى وهو يخاطب " وعد "
- تحدثى يا وعد , حذار أن تلعنى الفساد وتهاجمى البلاد , وتنتقدى الأولاد والعباد , تناسى القهر والشهر والمهر , والحرب والدرب والكرب , وكل ما مال , فالمال سال , والحال فى أفضل حال , وننعم براحة البال , بعد أن نفذنا والحمد لله طلبات أم العيال
هكذا تكون القصة الاولى فى المجموعة هى المفتاح للقصص الأخرى جماليا ومعرفيا , وكما أبحرت الكاتبة وغامرت فإن المتلقى مدعو إلى المغامرة لأنه الأولى بذلك فقد انتقلت السلطة من المؤلف إلى النص إلى القارىء , فهو مستودع الخبرات ومصدر التأويلات ومشارك فى صنع الدلالة
تحاول الكاتبة أن تطرح اشكالية جديدة تصدم بها الجميع وتكسب بها أرضا جديدة للمرأة وهى ارتباط اللغة بالأنثى , وهذا ما جاء فى دفاعها أمام المحكمة
- وحتى لا أطيل على عدالة المحكمة , ألخص دفاعى عن قضيتى التى لا يملك مثلى الدفاع عنها , أن تسمح لى عدالة المحكمة بأن أجمع عنفوان الشباب لهذه اللغة , إننى سيدى القاضى أعلم باللغة من أهلها , أنا التى حملتها فى رحمى ترنيما وغناء وكلاما وحديثا شفهيا , وربيتها بين الإنجاب , حتى استطاب نغمها واستجاب , لكل الأحباب , ونقلتها من مهد الملفوظ إلى المكتوب بصفو السحاب , واغتصبها الرجل منى باستبداده وسرقها , اللغة فى الأصل كانت فى دفتر حسابى تعاتبنى وأعاتبها ‘ن جاز عتابى , وأقربها وتقربنى إن غاب صوابى
حقوق المرأة المسلوبة من جانب الرجل , هى القضية التقليدية فى العلاقة بين الرجل والمرأة لكن أن يسرق الرجل اللغة التى هى ملك الأنثى ويسطو عليها هنا تكمن الإشكالية , نحن بصدد قضية جديدة فالأمر يرتد إلى أصل الأشياء , اللغة هى الأصل والصراع بين الرجل والمرأة على من يملك اللغة , وهنا تقرر الكاتبة أن المرأة هى الأصل لأنها تمتلك أصل الأشياء ألا وهى اللغة , وهنا يتداخل المعرفى مع الجمالى وتنصهر الفكرة مع الصورة , وينوحد المبنى مع المعنى
وإذا كانت هذه السمة هى الأكثر شيوعا فى المجموعة فهناك أيضا مجموعة من السمات والظواهر الفنية التى تحتفى بها القصص :
تميل القصص إلى الطول نسبيا , ومعظم القصص تزيد عن عشرين صفحة , ورغم هذا الطول النسبى فإن هذا الطول النسبى لم يفقدالقصص سمة القصة القصيرة من حيث التكثيف والتركيز وأسلوب صناعة الأزمة , فالقصة القصيرة هى فن صناعة الأزمة وهى العزف على أوتار الفكرة الواحدة كما أن معظم القصص تتسم بوجود المرأة كشخصية محورية , هى المرتكز الذى تدور فى فلكه الشخصيات الأخرى وتنسج من خلاله الأحداث , فالمرأة هى اللغة التى تتفجر وهى الجذر الذى يتفرع وأصل كل الأشيا

Thursday, September 30, 2010

الأندلس واللغة العربية

مفردات المادة

أولا / لمحة عامة يلقى فيها الضوء على:

    * الحركة الفكرية والنهضة الأدبية في الأندلس .
    * صلة الأندلس بالمشرق ( الصلة الثقافية والعلمية )
    * روافد الثقافة العربية في الأندلس .

ثانيا / دراسة الفنون الشعرية

ــ تركز هذه الفقرة على أبرز الشعراء الذين تأثروا بحركة التجديد في المشرق من أمثال : ( ابن عبد ربه , ابن دراج القسطلي ، ابن هاني الأندلسي ، ابن حزم ، ابن شهيد ) مع مراعاة الاتجاهات الأدبية والفكرية لكل شاعر .

ــ شعراء آخرون : ابن سهل الإسرائيلي , ابن الجيان الأنصاري ، ابن خاتمة ، ابن أبي زمنين ، أبو اسحق الابيري ، ابن عبدون ، ابن زيدون .

ثالثا / قضايا النقد الأدبي

يدرس فيها :

    * المعارضات وقيمتها الفنية
    * نماذج للمعارضات ( معارضة ابن عبد ربه لصريع الغواني ، معارضة ابن دراج القسطلي لأبي نواس ، معارضة ابن زيدون للبحتري .. ونحو ذلك )
    * آراء بعض الشعراء النقدية كابن شهيد في التوابع والزوابع ، ابن حزم في رسائله النثرية حول فضائل أهل الأندلس ، وابن بسام الشنتريني في الذخيرة .
    * توسط الشعر العربي في الأندلس بين مذهبي أبي تمام والبحتري .
    * أثر الفلسفة في الشعر العربي في الأندلس في عصوره المتأخرة .
    * الأدب العربي في الأندلس بين الإتباع والابتداع ـ شخصية الأدب في الأندلس ـ

رابعا / النثر الفني

    * فنون النثر في المشرق وتسللها إلى الأندلس من أمثال : نثر عبد الحميد وابن العميد والجاحظ وبديع الزمان وغيرهم , وظهور صداها في نثر ابن برد وابن زهر وابن زيدون وغيرهم، ثم مناقشة التميز الذي حدث في النثر الأندلسي وتأثيره فيما بعد في نثر بعض المشارقة ( نموذج أثر التوابع والزوابع في رسالة الغفران لأبي العلاء ....)
    * ثم تدرس نصوص نثرية من كل من : التوابع والزوابع ، طوق الحمامة ، رسائل ابن زيدون ( الرسالة الجدية والهزلية ) .

خامسا / التجديد في فنون الأدب ، ويدرس فيه

    * التجديد في الأغراض الشعرية ( شعر الاستغاثة ـ رثاء المدن) نماذج : ( نونية أبي البقاء الرندي ـ سينية ابن الأبار القضاعي )
    * التجديد في شعر الطبيعة ( إحلال وصف الطبيعة بدل المقدمة الطللية ـ المناظرة بين الورود والأزهار )
    * وصف الطبيعة بين المشارقة والأندلسيين ( نماذج لكل من الصنوبري وابن خفاجة وابن الزقاق البلنسي ) يركز في هذه الفقرة على كيفية تعامل الأندلسيين مع الطبيعة .
    * التجديد في شعر الغربة والحنين , دواعيه , أسبابه .

  

 سادسا / التجديد في قالب القصيدة ويشمل

 ( الموشحات ـ الأزجال )



سابعا / دراسة أثر الأندلس في الآداب الأوروبية

    *  أثر اللغة العربية في اللغة الاسبانية .
    * أثر الشعر العربي والموشحات في الشعر الغنائي ( التروبادور )
    * أثر القصة العربية في القصة الأوروبية .





نواتج التعلم

   1. أن يفرق الطالب بين الصلة العلمية والأدبية بين الأندلس والمشرق من جانب، وبين الأندلس والمغرب العربي.
   2. أن يحفظ الطالب النص الأدبي حفظا متقنا .
   3. أن يذكر الطالب غرض القصيدة المقروءة .
   4. أن يحلل النص تحليلا أدبيا .
   5. أن يكتب الطالب النص كتابة مضبوطة بالشكل .
   6. أن ينسب الطالب أسماء المصادر لمؤلفيها .
   7. أن يحدد الطالب الإجابة الصحيحة من الإجابة الخاطئة .



المصادر والمراجع

سبق ذكرها في المستوى الأول ، ويضاف كل ما أستجد من دراسات في الأدب العربي في الأندلس .





ملحوظة

    * التركيز على القضايا الأدبية والفنية ما أمكن.
    * اختيار نصوص شعرية متفرقة بحيث لا يقل اختيار الشعر عن مائة بيت، والنثر لا يقل عن خمسين سطرا.

Wednesday, September 29, 2010

The Arabic language

The Arabic language
  

Introduction

ARABIC ranks sixth in the world's league table of languages, with an estimated 186 million native speakers. As the language of the Qur'an, the holy book of Islam, it is also widely used throughout the Muslim world. It belongs to the Semitic group of languages which also includes Hebrew and Amharic, the main language of Ethiopia.

There are many Arabic dialects. Classical Arabic – the language of the Qur'an – was originally the dialect of Mecca in what is now Saudi Arabia. An adapted form of this, known as Modern Standard Arabic, is used in books, newspapers, on television and radio, in the mosques, and in conversation between educated Arabs from different countries (for example at international conferences).

Local dialects vary, and a Moroccan might have difficulty understanding an Iraqi, even though they speak the same language.

Arabic personal names
The components of names - abu, ibn, etc. How they are used and what they mean.

Alternative Arabic Dictionary
This lists the words that respectable dictionaries leave out. Not for anyone who is easily offended.

How to write your name in Arabic 
A French site showing 167 first names written in the Arabic script. Includes some English names.

Names of Arabic origin
Mainly refers to place names in Spain, Portugal and the Americas.

Arabic Language Academy
The idea of maintaining linguistic standards, through an Arab equivalent of the French Academy, has been around since the 19th century. Report by ArabicNews.

Major languages of the world
(Number of native speakers)


1.     Mandarin Chinese     836,000,000
2.     Hindi     333,000,000
3.     Spanish     332,000,000
4.     English     322,000,000
5.     Bengali     189,000,000
6.     Arabic     186,000,000
7.     Russian     170,000,000
8.     Portuguese     170,000,000
9.     Japanese     125,000,000
10.     German     98,000,000
11.     French     72,000,000
12.     Malay     50,000,000
         

Is Arabic difficult?

YES - and no. Learning Arabic certainly takes time and practice, but there are not many irregularities in the grammar. It's much less complicated than Latin, and probably simpler than German, too.

If you speak a European language, the root system of Arabic is an unfamiliar concept. Arabic words are constructed from three-letter "roots" which convey a basic idea. For example, k-t-b conveys the idea of writing. Addition of other letters before, between and after the root letters produces many associated words: not only "write" but also "book", "office", "library", and "author".

Learning vocabulary may cause problems at first. In most European languages there are many words which resemble those in English. Arabic has very few, but it becomes easier once you have memorised a few roots.

Arabic has many regional dialects, and if you want to master one of these the only really effective way is to spend a few years in the place of your choice. For general purposes – such as reading or listening to radio - it's best to concentrate on Modern Standard Arabic (numerous courses and textbooks are available). This would also be useful if you're interested in Islam, though you would need some additional religious vocabulary.

There are 28 consonants and three vowels – a,  i, u – which can be short or long. Some of the sounds are unique to Arabic and difficult for foreigners to pronounce exactly, though you should be able to make yourself understood.

The normal word order of a sentence is verb/subject/object. The function of nouns in a sentence can also be distinguished by case-endings (marks above the last letter of a word) but these are usually found only in the Qur'an or school textbooks.

Feminine nouns add the suffix …aat to form the plural but masculine nouns generally have a "broken" plural which involves changing vowels in the middle of the word: kitaab ("book"); kutub ("books").

Arabic has very few irregular verbs and does not use "is" or "are" at all in the present tense: "the king good" means "the king is good". Subtle alterations in the basic meaning of a verb are made by adding to the root. These changes follow regular rules, giving ten possible "verb forms" (though in practice only three or four exist for most verbs. The root k-s-r produces:

أثر القرآن الكريم في اللغة العربية


أثر القرآن الكريم في اللغة العربية
 

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:‏

فإن حديثنا عن القرآن الكريم وأثره في اللغة العربية، حديث الشيء عن ذاته، فالقرآن الكريم عربي المبنى فصيح المعنى، وقد اختار الله تعالى لكتابه أفصح اللغات فقال تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً( [الزخرف: 3] وقال تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين( [الشعراء: 195]، وقال تعالى: (قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون( [الزمر: 28].‏

ومن الراجح أن اللغة العربية هي أقدم اللغات على الإطلاق، كما بينت الدراسات الحديثة وأنها اللغة التي علّم الله بها آدم الأسماء كلها، وهي لغة أهل الجنة كما ورد في الحديث: "أَحِبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي".‏

ومن هذا المنطلق نجد الثعالبي يعبر عن هذه اللغة أبلغ تعبير فيقول في مقدمة كتابه الشهير فقه اللغة وسرّ العربية: "من أحب الله تعالى، أحب رسوله محمداً (، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، واعتقد أن محمداً ( خير الرسل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحر في جلائلها ودقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان، لكفى بها فضلاً يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره" .‏

ومن هنا اكتسبت اللغة العربية القداسة النورانية والخلود السرمدي، قال الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( [الحجر: 9] فبحفظ الله تعالى كتابه يحفظ اللغة العربية، فهي باقية ببقائه إلى يوم الدين، ويمكننا ذكر أهم ما أحدثه القرآن الكريم في اللغة العربية من آثار فيما يلي:‏

1-المحافظة على اللغة العربية من الضياع:

ذكرت فيما سبق أن السر الكامن وراء خلود اللغة والحفاظ عليها من الاندثار هو القرآن الكريم بما كان له من أثر بالغ في حياة الأمة العربية، وتحويلها من أمة تائهة إلى أمة عزيزة قوية بتمسكها بهذا الكتاب الذي صقل نفوسهم، وهذب طباعهم، وطهر عقولهم من رجس الوثنية وعطن الجاهلية، وألف بين قلوبهم وجمعهم على كلمة واحدة توحدت فيها غاياتهم، وبذلوا من أجلها مهجهم وأرواحهم، ورفع من بينهم الظلم والاستعباد، ونزع من صدورهم الإحن والضغائن والأحقاد، فقد كان القرآن الكريم ولا يزال كالطود الشامخ يتحدى كل المؤثرات والمؤامرات التي حيكت وتحاك ضد لغة القرآن، يدافع عنها، ويذود عن حياضها، يقرع أسماعهم صباح مساء، وليل نهار بقوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين( [البقرة: 23 –24]، وقوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً( [الإسراء: 88] فلما كان القرآن الكريم بهذه المنزلة لا جرم أن المسلمين أقبلوا عليه ودافعوا عنه، واعتبروا أن كل عدوان على القرآن هو عدوان على اللغة العربية، وأن النيل من اللغة العربية هو نيل من القرآن، ولذلك فإن بقاء اللغة العربية إلى اليوم وإلى ما شاء الله راجع إلى الدفاع عن القرآن، لأن الدفاع عنه –لكونه أصل الدين ومستقى العقيدة- يستتبع الدفاع عنها لأنها السبيل إلى فهمه، بل لأنها السبيل إلى الإيمان بأن الإسلام دين الله، وأن القرآن من عند الله لا من وضع أحد.‏

يقول الباقوري: "ولو فرضت أنه نزل كما نزل غيره من الكتب المقدسة، حكماً وأحكاماً، وأمراً ونهياً، ووعداً ووعيداً، ولم يتحر هذا الأسلوب الذي جاء به، فلم يعن الناس بلفظه ولم ينظروا إليه قولاً فصلاً، وبياناً شافياً، وبلاغة معجزة، لكان من الممكن أن تزول هذه اللغة بعد أن يضعف العنصر الذي يتعصب لها على أنها لغة قومية، ومن ذلك تضعف هي وتتراجع حتى تعود لغة أثرية.‏

وفي اللغة العبرية ما يؤكد هذا، فإنها –وهي لغة كتاب مقدس –صارت إلى ذمة التاريخ، ولو أن التوراة جاءت كما جاء القرآن فتحدت اليهود على النحو القرآني لاحتفظوا بلغتهم لأن في ذلك احتفاظاً بمعجزة نبيهم، فكان ممكناً أن نرى لغة موسى عليه السلام" .‏

ويبدو هذا الأمر واضحاً لمن تتبع اللغات وما تعرضت له من انقسام وانشطار واندثار بعد أن كانت لغة عالمية محكية وصناعية، وليست اللغة اللاتينية عنا ببعيدة فقد كانت لغة وحضارة وسطوة وقوة فبقيت أثراً بعد عين.‏

وعلى العكس من ذلك فإن اللغة العربية لم تكن لها هذه القوة وهذه المنعة، وليست لغة حضارة وصناعة، إنما كانت لغة صحراء وأمية، بكل ما تفرضه بيئة الصحراء من بساطة وضيق عيش، وبعد عن العلوم والمعارف، ثم إن العرب قد تعرضوا للحروب والدمار كغيرهم، ولكن ما زالت لغتهم قوية ساطعة تنبض بالحيوية والنشاط، وما ذلك إلا بفضل القرآن الكريم، الذي تكفل الله بحفظه، فحفظ به اللغة التي نزلت به، ولم يتكفل بحفظ غيره من الكتب المقدسة فبادت اللغة التي نزلت فيها واندثرت.‏

2-تقوية اللغة والرقي بها نحو الكمال:

منح القرآن الكريم اللغة العربية قوة ورقياً ما كانت لتصل إليه لولا القرآن الكريم، بما وهبها الله من المعاني الفياضة، والألفاظ المتطورة والتراكيب الجديدة، والأساليب العالية الرفيعة، فأصبحت بذلك محط جميع الأنظار، والاقتباس منها مناط العز والفخار، وغدت اللغة العربية تتألق وتتباهى على غيرها من اللغات بما حازت عليه من محاسن الجمال وأنواع الكمال، وفي هذا يقول العلاّمة الرافعي رحمه الله: "نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معاً، فكان أشبه شيء بالنور في جملة نسقه إذ النور جملة واحدة، وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه من طبيعته، وهو في كل جزء من أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء، وبدلت الأرض غير الأرض، وإنما كان ذلك، لأنه صفى اللغة من أكدارها، وأجراها في ظاهره على بواطن أسرارها، فجاء بها في ماء الجمال أملأ من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب، ثم هو بما تناول بها من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز، وصورها بالحقيقة وأنطقها بالمجاز، وما ركبها به من المطاوعة في تقلب الأساليب، وتحويل التركيب إلى التراكيب، قد أظهرها مظهراً لا يقضى العجب منه لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته، ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت المستقبل أم صوت الخلود لأنها هي لغتهم التي يعرفونها ولكن في جزالة لم يمضغ لها شيح ولا قيصوم".‏

هذا ما عبر به إمام العربية الرافعي رحمه الله، وليس هو فحسب، بل اعترف أعداء العربية من المستشرقين وغيرهم بقوة اللغة العربية وحيويتها وسرعة انتشارها، فيقول "أرنست رينان": "من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره، انتشار اللغة العربية، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ بدء، فبدأت فجأة في غاية الكمال، سلسة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها إلى يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة، من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمّة من الرحل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغيير يذكر، حتى إنه لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة، ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى..." ‏

ويقول جورج سارنوت: "ولغة القرآن على اعتبار أنها لغة العرب كانت بهذا التجديد كاملة، وقد وهبها الرسول (() مرونة جعلتها قادرة على أن تدون الوحي الإلهي أحسن تدوين بجميع دقائق معانيه ولغاته، وأن يعبر عنه بعبارات عليها طلاوة وفيها متانة، وهكذا يساعد القرآن على رفع اللغة العربية إلى مقام المثل الأعلى في التعبير عن المقاصد".‏

ويقول بروكلمان: "بفضل القرآن بلغت العربية من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أي لغة أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعاً مؤمنون بأن اللغة العربية هي وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلواتهم، وبهذا اكتسبت اللغة العربية منذ زمان طويل رفيعة فاقت جميع لغات الدنيا الأخرى التي تنطلق بها شعوب إسلامية" (8).‏

ومما لا شك فيه أن اعتراف أمثال هؤلاء، لا يقوي من وضع اللغة العربية أو يأخذ بيدها إلى الرفعة، وإنما ذكرنا أقوالهم لنبين أن الفضل ما شهدت به الأعداء.‏

ويأتي العلاّمة الفراهي الهندي (9) -إمام العربية في عصره –ليقول عن اللغة العربية: "أعلم أن كلام العرب كله نمط أعلى من كلام الأمم الذي تعودت به، لأنهم مولعون برزانة القول وتهذيبه من أمور سخيفة، فهم يجردون كلامهم من كل رابطة، ولو فعلوا ذلك كان عاراً على السامع، فإنه يفهم الروابط بذكائه، فلذلك كثر فيهم الحذف..." (10).‏

3-توحيد لهجات اللغة العربية وتخليصها من اللهجات القبلية الكثيرة:

من المعلوم أن لجهات اللغة العربية كانت مختلفة، تحتوي على الفصيح والأفصح، والرديء والمستكره، وكانت القبائل العربية معتدة بلهجتها حتى إن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف من أجل التخفيف على العرب في قراءته وتلاوته، ولا شكّ أن لغات العرب متفاوتة في الفصاحة والبلاغة، ولذلك نجد عثمان رضي الله عنه قد راعى هذا الجانب في جمعه للقرآن، وقال للجنة الرباعية: "إذا اختلفتم أنتم فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلغتهم" وما ذلك إلا لأن لغة قريش أسهل اللغات وأعذبها وأوضحها وأبينها، وكانت تحتوي على أكثر لغات العرب، ونظراً لكونهم مركز البلاد وإليهم يأوي العباد من أجل الحج أو التجارة، فقد كانوا على علم بمعظم لغات العرب بسبب الاحتكاك والتعامل مع الآخرين، ولكن لغتهم أسهل اللغات كما ذكرت، ينقل السيوطي عن الواسطي قوله: ".... لأن كلام قريش سهل واضح، وكلام العرب وحشي غريب" ولذلك حاول العرب الاقتراب منها، وودوا لو أن ألسنتهم انطبعت عليها حين رأوا هذا القرآن يزيدها حسناً، ويفيض عليها عذوبة، فأقبلوا على القرآن الكريم يستمعون إليه، فقالوا على الرغم من أنفهم: "إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وأسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه" ، ولم يزل المسلمون يقبلون عليه ويتلونه حق تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، حتى صاروا بفضل القرآن خير أمة أخرجت للناس، ينطقون لغة واحدة عربهم وعجمهم، وكان بذلك جامعاً للعرب والمسلمين على لغة قريش وما يقاربها، وليس بينهم هذا التفاوت والاختلاف في اللهجات كما كان قبل نزول القرآن، وبذلك دخلوا في مرحلة تاريخية فريدة هي توحد لغتهم وألسنتهم فيما بين بعضهم البعض بل وعلى مر العصور وكر الدهور.‏

4-تحويل اللغة العربية إلى لغة عالمية:

من المعروف أن اللغة هي صورة صادقة لحياة الناطقين بها، والعرب قبل نزول القرآن الكريم، لم يكن لهم شأن ويذكر أو موقع بين الأمم آنذاك حتى تقبل الأمم على تعلم لغتهم، والتعاون معهم فليست لغتهم لغة علم ومعرفة، وكذلك ليس لديهم حضارة أو صناعة، كل ذلك جعل اللغة تقبع في جزيرتها فلا تبرح إلا لتعود إليها.‏

وقد ظلوا كذلك، حتى جاء القرآن الكريم، يحمل أسمى ما تعرف البشرية من مبادئ وتعاليم، فدعا العرب إلى دعوة الآخرين إلى دينهم، ومما لا شك فيه أن أول ما يجب على من يدخل في الإسلام هو تعلم اللغة العربية لإقامة دينه، وصحة عبادته، فأقبل الناس أفواجاً على تعلم اللغة العربية لغة القرآن الكريم، ولولا القرآن الكريم لم يكن للغة العربية هذا الانتشار وهذه الشهرة.‏

يقول أ. د. نور الدين عتر: "وقد اتسع انتشار اللغة العربية جداً حتى تغلغلت في الهند والصين وأفغانستان، وحسبنا شاهداً على ذلك ما نعلمه من مشاهير العلماء من تلك البلاد مثل البخاري ومسلم، والنسائي، وابن ماجه القزويني، وغيرهم وغيرهم" .‏

أقول: بل حسبنا ما نراه ونسمعه في مسابقات حفظ القرآن الكريم وتلاوته من أن الفائزين بالدرجات العليا هم من أبناء الجنسيات غير العربية .‏

وخلاصة القول كما يقول الباقوري: "أن اللغة العربية ما كانت تطمع في أن يتعدى سلطانها جزيرتها، فتضرب الذلة على لغات نمت في أحضان الحضارة وترعرعت بين سمع المدينة وبصرها، وتستأثر دونها بالمكان الأسمى في ممالك ما كان العربي يحلم بها، فضلاً عن أن يكون السيد المتصرف فيها، ولكن القرآن الكريم انتزعها من أحضان الصحراء، وأتاح لها ملكاً فسيح الأرجاء، تأخذ منه لألفاظها ومعانيها، وأغراضها وأسلوبها، ما لم تمكنها منه حياته البدوية، فبعد أن كانت ثروتها في حدود بيئتها، أصبحت غنية في كل فنون الحياة فأقبل الناس عليها مدفوعين إلى معرفة أحكام الدين، وأداء واجبات الإسلام" .‏

5-تحويل اللغة العربية إلى لغة تعليمية ذات قواعد منضبطة:

من الثابت المعروف أن العرب قبل نزول القرآن كانوا يجرون في كلامهم وأشعارهم وخطبهم على السليقة، فليس للغتهم تلك القواعد المعروفة الآن، وذلك لعدم الحاجة إليها، ولا أدل على ذلك من أن التاريخ يحدثنا عن كثير من العلماء الذين صرحوا أن لغتهم استقامت لمّا ذُهب بهم إلى الصحراء لتعلم اللغة العربية النقية التي لم تشبها شائبة، ومن هؤلاء الإمام الشافعي، وأن الوليد بن عبد الملك كان كثير اللحن، لأنه لم يغترف لغته من الينبوع العربي الصحراوي الصافي.‏

ولما اتسعت الفتوح، وانتشر الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، احتك العجم بالعرب فأفسدوا عليهم لغتهم، مما اضطر حذيفة بن اليمان الذي كان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، أن يرجع إلى المدينة المنورة ويقول لعثمان رضي الله عنه: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها اختلاف اليهود والنصارى...." فأمر عثمان( يجمع القرآن، وكان قصده أن يجمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ( وإلغاء ما ليس بقرآن خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد، وهذا ما حصل، فقد ضعفت اللغة مع مرور الأيام وفشا اللحن في قراءة القرآن، الأمر الذي أفزع أبا الأسود الدؤلي وجعله يستجيب‏

لوضع قواعد النحو، التي هي أساس ضبط حركات الحروف والكلمات، ومن ثم العمل على ضبط المصاحف بالشكل حفاظاً على قراءة القرآن من اللحن والخطأ.‏

وليس هذا فحسب، بل يرجع الفضل للقرآن الكريم في أنه حفظ للعرب رسم كلماتهم، وكيفية إملائهم، على حين أن اللغات الأخرى قد اختلف إملاء كلامها، وعدد حروفها.‏

يقول د. عتر: "والسر في ذلك أن رسم القرآن جعل أصلاً للكتابة العربية، ثم تطورت قواعد إملاء العربية بما يتناسب مع مزيد الضبط وتقريب رسم الكلمة من نطقها، فكان للقرآن الكريم الفضل في حفظ رسم الكلمة عن الانفصام عن رسم القدماء" .‏

6-تهذيب ألفاظ اللغة العربية، ونشوء علم البلاغة:

ذكرت فيما سبق أن لغة أية أمّة هي صورة صادقة لذوقها العام وطبيعتها، وإذا كان للبقاع تأثير في الطباع، فمما لا ريب فيه أن اللغة تتأثر كذلك حسب الناطقين بها، والعرب أمّة أكثرها ضارب في الصحراء، لم يتحضر منها إلا القليل، فلا جرم كان في لغتهم الخشن الجاف، والحوشي الغريب، وقد أسلفنا عن الواسطي أن لغة قريش كانت سهلة لمكان حياة التحضر التي كانت تحياها في ذلك.‏

ولعل من يقرأ الأدب الجاهلي ويتدبره، يزداد إيماناً بما للحضارة من أثر ألفاظ اللغة، فإنه سيرى في أدب أهل الوبر كثيراً من مثل "جحيش" و"مستشزرات" "وجحلنجع"، وما إلى ذلك مما ينفر منه الطبع، وينبو عنه السمع، على حين أنه يكاد لا يصادفه من ذلك شيء في أدب القرشيين.‏

والقرآن الكريم –فضلاً عن أنه نقل العرب من جفاء البداوة وخشونتها، إلى لين الحضارة ونعومتها، فنزلوا عن حوشيتهم، وتوخوا العذوبة في ألفاظهم، -قد تخير لألفاظه أجمل ما تخف به نطقاً في الألسن، وقرعاً للأسماع، حتى كأنها الماء سلاسة، والنسيم رقة، والعسل حلاوة، وهو بعد بالمكان الأسمى الذي أدهشهم وحير ألبابهم، وأفهمهم أن البلاغة شيء وراء التنقيب والتقعير، وتخير ما يكد الألسن ويرهقها من الألفاظ، فعكفوا عليه يتدبرونه، وجروا إليه يستمعونه ذلك أن القرآن الكريم قد انتهج في تعابيره أسلوباً له حلاوة، وعليه طلاوة، تنتفي فيه الكلمة انتقاء، حتى كانت مفردات القرآن الكريم من اللغة العربية بمثابة اللباب وغيرها كالقشور، مما جعل ابن خالويه يقول: "أجمع الناس أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أصح مما في غيره" ، ولا أدل على ذلك من المقارنة بين الشعر الجاهلي والإسلامي، أو الأدب الجاهلي والإسلامي، لتجد البون شاسعاً، والفارق كبيراً، ذلك أن القرآن الكريم بفصاحته وروعة ألفاظه قد أغرى العرب على محاكاته، فأقبلوا إليه يزفون، ومن بحره ورياضه يستقون وينهلون، ومن ألفاظ ومعانيه يقتبسون ويتكلمون، فوضعوا بذلك قواعد علوم البلاغة، بغاية الروعة وقمة البراعة، متكئين فيها على ما في القرآن الكريم من أوجه الإعجاز، ناسجين منه أجمل حلة وأحلى طراز، ولهذا نجد أبا الهلال العسكري يقول: "وقد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة وأخل بمعرفة الفصاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما اختصه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع والاختصار اللطيف، وضمنه من الحلاوة، وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز عنها، وتحيرت عقولهم فيها" .‏

توصيات‏

1-غرس محبة اللغة العربية في نفوس الناشئة، باعتبار أنها لغة القرآن الكريم، الذي بفضله حفظ لنا لغتنا من الضياع، والبحث عن الوسائل التي ترغب الطلاب في تعلم اللغة العربية، وذلك من خلال تطوير المناهج، وتيسير القواعد.‏

2-بث الوعي اللغوي بين أبناء الأمة وإيقاظ غيرتهم من اللغة، وترميم ما تصدع من ثقتهم بها واعتزازهم بتراثها الحضاري والتاريخي بوصفها مقوماً مهماً من مقومات الشخصية العربية.‏

3-إعادة النظر في طريقة تعليم اللغة العربية في المدارس، والاستفادة من الوسائل الحديثة مثل الحاسوب والبرمجيات التعليمية.‏

4-الاستفادة من تجربة الجامعات السورية في تعريب التعليم في جميع مراحله، وقد أثبتت هذه التجربة نجاحها، وسارت بعض الجامعات في الوطن العربي على غرارها.‏

5-الاهتمام بتعلم اللغات الأجنبية وتطويرها، وعدم الدعوة إلى تهميشها، ولكن ضمن الحد المرسوم لها.‏

6-إنشاء مؤسسات متخصصة ترعى تكوين الأجيال، وتعمل على ترجمة الكتب والبحوث العلمية المختلفة مع التنسيق بين هذه المؤسسات وبين مراكز البحث العلمي والجامعات.‏

7-الاستفادة من أجواء العولمة المنفتحة والمتطورة التي يمكن أن تعين على إيجاد وسائل وآليات تستخدم في صالح اللغة العربية، سواء من حيث نشرها، أو سهولة التواصل بين الباحثين في قضاياها وبالتالي فإن لغتنا العربية كفيلة بما وهبها الله تعالى أن تُواكب المستجدات والتحديات في هذا العصر "عصر العولمة".‏

الخاتمة‏

إننا في هذا العصر الذي يبدو فيه زحف العولمة قادماً بما يحمله إلينا من معطيات تشمل الأدوات والمصطلحات والأفكار والتعبيرات والممارسات اللغوية، مطالبون بأن نقابل ذلك الزحف بتنقيح علمي يفيد من إيجابيات العولمة، ويؤمن بالتلاقح الحضاري والتفاعل الخير، ويدرأ الخطر عن ثقافة أمتّنا ولغتنا بخطط علمية، واستراتيجيات طويلة المدى، ووسائل تفيد من ثمرات العلم الحديث في هذا العصر وتختلف عن وسائلنا التقليدية القديمة، مستندين في ذلك إلى الثقة بأنفسنا، وبمقوماتنا الذاتية النابعة من مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف وإسهامات حضارتنا العريقة، وقدرات لغتنا العربية التي سبق لها أن دخلت المعترك الحضاري قديماً فانتصرت فيه، وكانت الوجه المشرق للهوية العربية على مر العصور.‏

وأختم بحثي بأبلغ عبارة قالها البيروني (ت 440ه‍) عن اللغة العربية المقدسة:‏

"والهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية".‏

لقد صدق فيما قال، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف..‏

والحمد لله رب العالمين،،‏

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..‏
 
الدكتور محمد يوسف الشربجي