Wednesday, February 16, 2011

الشعر المقاوم

سمات الشعر المقاوم .. نحو صياغة شعرية و نقدية



لعل من أحد أهم أنماط الأدب المعاصر و الذي ساهمت القضية الفلسطينية في إبرازه للقارئ العربي هو الشعر الذي أطلق عليه "شعر المقاومة". و هو الشعر الذي تسلل إلى القارئ العربي عبر العديد من النوافذ التي كانت متاحة في عقود الخمسينات و الستينات و السبعينات من القرن الماضي. وقد كان لشعراء فلسطين من أمثال محمود درويش وسميح القاسم و هارون هاشم رشيد و فدوى طوقان و العديد غيرهم قصب السبق في تأسيس هذا النوع الجديد من "القصيد".

و خلال هذه الفترة إكتظت السجون بالمقاومين الذين أخذوا يصوغون تجربة جديدة وراء القضبان يصنعون بها إرثا جديدا للمقاومة و يسطرون أروع ملاحم المواجهة بين "السجان" و "السجين" المقاوم. و لقد أخذت الكثير من الأشعار بل و الأعمال الفنية المقاومة تخرج إلى النور من ظلام السجن و ذلك قبل خروج "المقاوم". و لقد كان المقاومون في ذلك الوقت يهربون أعمالهم بالعديد من الوسائل التي كانت تتحدى كل جبروت السجن و السجان مما يصيب المحتل بحالة من الرعب عن كيفية تواصل السجين مع مجتمعه. و لقد أطلق على هذا النوع من الابداعات الأدبية "أدب السجون" و التي بإمكاننا أن نصنف جزءا منها هنا تحت إسم "شعر السجون" و الذي أطل علينا قبل أيام شاعرنا "باسم الهيجاوي" بقصيدة جميلة يبدو انه قد رسم لوحتها أثناء تواجده وراء القضبان (قرية حزيران القتيل ـ من أدب المعتقلات, دنيا الوطن June 06 )

ويمكننا تعريف شعر المقاومة بأنه تلك الحالة التي يعبر فيها الشاعر و بعمق و أصالة عن ذاته الواعية لهويتها الثقافية و المتطلعة إلى حريتها الحقيقية في مواجهة المعتدي في أي صورة من صوره, منطلقا من موروثه الحضاري و قيمه المجتمعية العليا التي يود الحياة في ظلها والعيش من أجلها.

فالمقاومة هي مشروع حضاري أصيل لا يستطيع أحد مهما كان سلطانه و جبروته الوقوف أمام سيل هادر من إرادة شعب أو أمة ليمنعهم من تحقيق أهدافهم المشروعة و التي تكفلها شرائع السماء و مواثيق الأرض بكل أنواعها و مشاربها. و من هنا إستمدت المقاومة الفلسطينية شرعيتها الكونية و ذلك بتعاطف كل شعوب الأرض معها. و في هذا المجال تبرز أهمية و دور الشعر المقاوم كشعر رسالي أحد أهم أهدافه العمل على إاستمراية شحن الحس المقاوم ليس فقط في شرايين الشعب صاحب القضية بل و أكثر من ذلك في إتجاه نحو دائرة "العالمية" بل و إن شئت "دائرة الكونية".

لقد حظي الشعر المقاوم باهتمام العديد من دور النشر العالمية و بلغات متعددة, و كان الشاعر الفلسطيني الرائد محمود درويش من بين أؤلئك الذين تمت ترجمة العديد من أعماله الى لغات مختلفة. و درويش نفسه يقول لقد حظيت بعض أعمالي بالترجمة بأكثر مما تستحق في بعض اللغات بينما لاقت أقل مما تستحق في لغات أخرى.

ولعل جزءا هاما من "رسالية" الشاعر الفلسطيني هو تعميق و تجذير "الإنتماء المقاومي" في ذات المواطن الفلسطيني و العربي و الوصول به الى حالة الاحساس الدائم ب"وجودية" المقاومة على الأرض أو حتى تحت الأرض. ومن هنا كان الكلمات المشهورة عن موشيه ديان بعد حرب 1967 و هو يعلن بكل وضوح أن قصيدة يكتبها "شاعر مقاوم" تعادل عنده عشرين "فدائيا". بينما يقول محمود درويش بأنه قد تلقى تهديدا بعدم قرض الشعر أو إلقائه عندما ألقى أول قصيدة له في المدرسة.

إذن ف"الشعر المقاوم" هو الذي يستنهض الأمة من سباتها و يوقظها من نومها العميق, و يعمل على تحريك المشاعر و الأحاسيس وهي مخرجات لا تتأتى إلا بوجود عوامل تحفيز كالاحتلال و الغزو و الاضطهاد الذي تتعرض له الدول و الشعوب.

ومن هنا فإن للشعر المقاوم سمات قيمية أساسية أهمها:

1- البعد الجماعي

2- البعد الانساني

3- معرفة الآخر

و عليه فإن هذا المقال يحاول إعطاء لمحة مقتضبة عن الشعر المقاوم و ذلك من أجل فتح هذا الباب أمام المهتمين و الدارسين و الباحثين من أجل تأصيل هذا النوع من الفنون وصياغة نظرية شعرية و نقدية خاصة به.






جمال الوطن والمقاومة في الشعر العربي
الملخص: - الشعراء العرب رسموا صورة الوطن عبر صورتين، الأولى تحدثت عن جمال
الوطن، وما فيه من طبيعة وقيم ايجابية، والصورة الثانية تحدثت عن المقاومة وعن تعاسة ظروف هذا الوطن عبر ظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. 1- الجمال: ويظهر الوطن بأحلى صوره في قصيدة «الوطن المفدى» للشاعر ابراهيم العريض «البحرين» عندما يصف أرض الطفولة والصبا يقول «1»: سقتِ الغادياتُ أرضاً رعتني طاب للظبي في رُباها المقامُ ورعى الله تربة أنشأتني وعهود الصّبا بها أحلام لاأرتني الحياةُ بعدك أرضاً موطن الدر لا علاكَ مقام تلك أرض الجدود أرضُ أوال حلّ مغناك نضرة وسلام - وماأجمل هذا الوصف وأنبل هذا الحب الذي رسمه الشاعر لأرض الوطن فهي جنة على الأرض، وتتسع دائرة الوطن عند الشاعر لتشمل أرض العروبة، ويضمها البعد القومي. ويرى الشاعر ابراهيم العريض في قصيدة «نشيد أطفال الحضانة» أن علاقة كبيرة بين المكان والأهل من حيث المحبة والشوق يقول: وياوطناً رعى مهدي صغيراً ليعهد لي رعايته فتيّا لأغنى من وجودي وهو فانِ حماك وقد أتاح لي الرّقيا حباكَ البحرُ أثمن مالديه ورملك منه أثمن مالديّا فيا وطني! تعيش لنا غنيّا وياوطني! تعيش بنا قويّا - ويقف الشاعر أحمد شوقي «مصر» على أطلال المكان وهو مكان مقدس في قصيدة البردة، حيث ذكر القاع وغار حراء ومكة، وفي شعر أحمد شوقي يبدو الوطن ماثلاً أمام عيونه بكل جلاله وجماله وهو يصف آثار أسوان يقول«2»: أيها المنتحي بأسوان داراً كالثريا تريد أن تنقضّا اخلع النعل واخفض الطرف واخشع لاتحاول من آية الدهر غضّا قف بتلك القصور في اليم غرقى ممسكاً بعضها من الذعر بعضا كعذارى أخفين في الماء بضاً سابحات به وأبدين بضا أنت سطر ومجد مصر كتاب كيف سام البلى كتابك فضّا وأنا المحتفي بتاريخ مصر من يصن مجد قومه صان عرضا - وفي تجارب الشعراء السوريين الذين أدهشوا المتلقي في رسم صورة الوطن، تطل تجربة الشاعر عدنان قيطاز حيث وجدنا تأثير الوطن، يتجلى واضحاً، وبطاقة المحبة والانتماء للمكان قد أظهرها الشاعر بشكل جلي في قوله: - كلّ أرض يكون فيها لسان الضاد أرضي وجرحها هو جرحي «3/ص5» - والوطن عند الشاعر قيطاز حمل عنده المجد والفخر، وقد أشار إلى الشام وقال فيها: غنّيتُ مجد الشام يوم فخارها وعزفت ألحاني على قيثارها تمضي العصور وأنت سيدة الربا شماء كبر الحق في استكبارها «3/ص11» - ومدينة حماة جزء من هذا الوطن حملت الجمال ووصفها الشاعر عدنان قيطاز وأدهشنا بهذا الوصف، فهي مدينة تضجُّ بالأوابد وبالصفوة والأخيار يقول فيها: أسرتني حماة أم النواعير ومازلت مولعاً بإساري من قديم كانت حماة غراماً ومراماً للصفوة الأخيار «3/ص39» - وعند الشاعرة وداد عبد النور في مجموعة «اخشع يازمان» قدمت شعرها بطقوس روحية، رسمت صورة الشام، وحبها للشام في بعد وطني تقول: - وأسجد فوق تربك ياشام ألستِ الحبّ والحبّ التزام - أصلي للجمال وأي عتب إذا للحسن قد صلى الأنام - ونور الله شعشع في ربانا أضاء الكون فانزاح الظلام «4/ص23» - وعن حضارة هذا «الوطن» تخاطبه الشاعرة وداد بأبيات مدهشة وجميلة تقول: لولا الكواكب في كفيك ياوطني مامرّ عبقر من قربي وحيّاني هنا الرسالات قد عمّت بشائرها صوت السماء بانجيل وقرآن هنا الحضارة قد أرست مراكبها ياأمة أبدعت في كل ميدان «4/ص73» ويجد الشاعر حسان الصاري السحر من بردى، والعينين ترشحان بالعطر فيعبق الكون يقول: من دفة السحر من عري السماء بدا طيف لجلّق عنّاني ومارقدا يذوب العطر من عينيك غاليتي فيعبق الكون تحناناً وماابتردا مسحت عن جفني المسحور سكرته والسحر أحكمه عينان من بردى 2- المقاومة: - وفي مجال شعر المقاومة يرصد الشاعر ابراهيم العريض أرض الشهداء فلسطين يقول فيها: يافلسطينُ وماكنت سوى بيعة الأرض على كفّ السماء اشهدي.. أنّ بياني قد روى فيكِ مايُرضي قلوبَ الشهداء هذه التربة... مذ غنّى بها أهل الحداء لم يُطهرها من الرجس سوى تلك الدماء - ومدينة القدس التي تهتف من أجل الشهادة هي ذاكرة صلاح الدين فيها نخوة الأقصى وبرأي الشاعر أن هذه النخوة هي نداء القدس في أرواح الشهداء والأبطال يقول الشاعر حسان عربش: - هذا نداء القدس في أرواحنا عن عمره لايُسأل الليمون يادولة الشهداء ياقدس القلوب ويا عيون الطهر ياحطين «5/ص14» - إن القدس- المكان المقاوم والمقدس- مازالت تقاوم على الرغم من جراحها وهي أرض الثائرين، وشمس الحق ستشرق فيها ، وملامح مدينة القهر والمقاومة بغداد لها وقع مؤثر في النفس، وهي في رأي الشاعر حسان تاج العرب وحسناء البوادي يقول فيها: - بغداد ياأخت الشآم عروبة ألديك من عذب الفرات شراب؟ - سرقوا ضفائر شهرزاد وحلمها الغالي فما انتصرت لها الأحباب -بغداد يامدناً تفيق على الأسى بسراج جرحك تهتدي الأغراب - بغداد ماسأل الزمان حضارة إلا وأنت على الشفاه جواب «5/ص85» وفي تجربة الشاعرة فاديا غيبور يتجسد الوطن في الأرض التي عشقتها هذه الأرض المليئة بالزهر، والأشجار والتي تتراءى فيها الضفاف الخضر، تقول: فحب الأرض أغناني/ تجذر في دما جسدي وأورق فوق شرياني/ لأني لم أخن زمني ولم أرحل مع الركبان/ ولكني عشقت الأرض والإنسان «6/ص11» -هذه الأرض بنظر الشاعرة هي أرجوانية، لاتعرفها إلا على الخريطة، الحرية معدومة فيها، تضج التقاليد والخرافات في عالمها ، تعمها الأحزان، والوجع القبلي يسيطر عليها، ويسير الكذب الإعلامي حولها، وتجد الظم بكل أشكاله فيها، وهذا ماتطالعه في قصيدة «غداً جئت عينيك» تقول: وأبواب يافا/تعلق أثوابها أرجوحة البحر/ يدمي نوافذها هاجس البرتقال - على شاطئ الجرح والوجع العربي/ فتزهر ليلكة القلب تزهر شوقاً وحباً/ تمر على وجه طفل/ تعمده بالغسق القدس أرضعه الصخر أثداءه «6/ص35» الشاعر عدنان قيطاز يبين أسباب الكفاح والمقاومة، وهناك أسباب وجيهة لذلك بيّنها عندما قال: وبيت المقدس المذعو ر تطويه الدياجير وفي الأقصى وصخرته ضلالات وتزوير وأسياف العلى صدئت وسيف الذل مشهور وفي أعماقنا خور على الأحداق مسطور وكم من عزمة شابت وكم شاخت مغاوير وفي هنّا وفي هينا لقد نام النواطير -إذاً بيت المقدس أحاطه الظلام، وفي القدس ومايحيط بالمسجد الأقصى والصخرة امتلأت بالضلالة والتزوير، وسيوف العرب ذليلة، وصدئت، وفي أعماق النفوس الحيرة والدهشة لما يجري وقد شابت البطولات والعزائم وهرمت الفرسان، وقد نام حماة البلاد. وفي قصيدة أخرى للشاعر قيطاز يتحدث عن مكان مقاوم أمام العدو الذي اجتاح لبنان عام 1982 وتقاعس العرب يومها فقال الشاعر: واخجلتا من عرب نهج العلى لم ينهجوا إلا الشآم عطرها على المدى مؤرّج «7/ص29» وقد مر في الأدب العربي القصائد الكثيرة التي تدعو إلى يقظة العرب ومازلنا نتذكر قصيدة الشاعر ابراهيم اليازجي الذي قال بصوت ثائر ينطلق متحدياً الاستبداد العثماني، ويوقظ الغافلين باللوم والتقريع: تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب فيمَ التعلل بالآمال تخدعكم وأنتم بين راحات القنا سلب ألفتم الهون حتى صار عندكم طبعاً وبعض طباع المرء مكتسب ألستم من سطوا في الأرض واقتحموا شرقاً وغرباً وغزوا أينما ذهبوا هكذا كان الوطن عبر الزمن يحمل الجمال ويحمل أبناؤه القيم الايجابية ويطمع الباغي بخيراته، لذلك تجد المقاومة عند أحراره مستمرة عبر الزمن. المراجع: 1- الشواهد الشعرية للشاعر ابراهيم العريض. 2- الشواهد الشعرية للشاعر أحمد شوقي. 3- أسفار ابن أيوب الحموي «شعر»- منشورات اتحاد الكتّاب العرب، بدمشق 1998 4- مجموعة «اخشع يازمان» للشاعرة وداد عبد النور- دمشق 2002 5- مجموعة عائلة الريحان للشاعر حسان عربش عن دار عكرمة بدمشق عام 2003م 6- مجموعة «ولكني عشقت الأرض والإنسان» للشاعرة فاديا غيبور- مطبعة اتحاد الكتّاب العرب- 1994م. 7- أسفار ابن أيوب الحموي «شعر»- منشورات اتحاد الكتاب العرب، بدمشق

......................................

أن المقاومة ليست طارئة على الشعر وليست حالة جديدة إنما وجدت منذ البدايات الأولى ونجد عند الكثير من الشعراء الجاهليين أشعاراً تدعو لمقاومة المحتل أمثال كسرى أنو شروان وغيره

وتتعدد أشكال المقاومة حيث أنها ليس حكراً على السلاح بل هناك مقاومة اقتصادية ومقاومة ثقافية ومقاومة ضد التطبيع ومقاومة لغوية حيث أن اللغة العربية تتعرض لهجمة للقضاء عليها فتأتي المقاومة اللغوية لصد هذه الهجوم

والمقاومة في الشعر الحديث ظهرت خلال الاستعمار الذي تعرض له الوطن العربي مثل الاستعمار الفرنسي والاستعمار الإنكليزي والإيطالي وأخيراً الصهيوني وهو يختلف عن غيره لأنه استعمار اقتلاعي لأنه يريد أن يقتلع الشعب الفلسطيني من جذوره العربية وهنا لابد من وقفة فظهرت المقاومة في الشعر الحديث ضد الاستعمار الغربي بشكل عام وظهرت المقاومة الفلسطينية في الشعر ضد الاحتلال الصهيوني فمن الشعراء من تبنى القضية بشكل مباشر وكان ذلك صريحاً في أشعار عمر أبو ريشة ونزار قباني

ومنهم من جسد القضية بشكل غير مباشر واختار شخصية تراثية يدعو من خلالها إلى المقاومة بطريقة الترميز أمثال أمل دنقل مثل قصيدة لاتصالح حيث أن الشاعر تخفى خلف شخصية كليب الذي طلب من أخاه الزير بعدم المصالحة

وقصيدة من أقوال اليمامة بنت كليب التي قالت أنا لأصالح إلا حين أجد أبي يعود حياً وهذا نمط غير مباشر لطرح القضية والدعوة للمقاومة.

والجدير ذكره بأن الدكتور خليل موسى دكتوراه في الأدب العربي الحديث- جامعة دمشق.

يعمل أستاذاً في قسم اللغة العربية- جامعة دمشق، وأستاذاً في المعهد العالي للفنون المسرحية عضو جمعية النقد الأدبي في اتحاد الكتاب العرب وله 25مؤلفاً منها .

-الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر- دراسة- 1991.

2-وحدة القصيدة في النقد العربي الحديث- دراسة- 1995- اتحاد الكتاب العرب.

3-النضال العربي والأرمني- مشترك- دراسة 1995.

4- أعشاب - شعر- دمشق- 1997.

5- المسرحية في الأدب العربي الحديث( تأريخ - تنظير- تحليل) دمشق - اتحاد الكتاب العرب- 1997.

وسيصدر له مؤلف بعنوان (جماليات الشعرية) عن اتحاد الكتاب العرب

وله الكثير من الدراسات والمحاضرات الأدبية والمشاركات النقدية في مهرجانات الشعر والقصة


No comments:

Post a Comment