Wednesday, August 2, 2017

الشرح والتحليل لقصيدة ‘أضحى التنائي بديلا من تدانينا ’



الشرح والتحليل لقصيدة   ‘أضحى التنائي بديلا من تدانينا ’

الفكرة العامة: وفاء الشاعر في حبه لولادة.
يكاد الشاعر في هذه الأبيات، يذوب أسى وألما على فراق محمبوبته ولادة بن المستكفي، ويتحرق شوقا إليها وإلى الأوقات الصافية الماتعة التي أتيحت له معها. وفي ظلال هذه العاطفة المتأججة الملتهبة، أنشأ هذه القصيدة النابضة بالحياة المترجمة عما في صدره من مكنون الحب والوفاء العجيبين.
الفكرة الأولى: وصف للحاضر الأليم، وتألم على الماضي الجميل، ويعبر عن كل ذلك من خلال أبيات تقطر وفاء وحبًا وتجلدًا.
1.             أضحى التنائي بديلاً من َتدانينا *** ونابَ عن طيبِ ُلقيانا تجافينا
وهنا يستهل الشاعر قصيدته بالتوجع والتحسر على ما صارت إليه حاله فقد تغيرت من قرب بينه وبين محبوبته إلى بعد ونأي يتزايد مع الأيام. لقد تحول القرب بعدا وصار اللقاء جفاء وهو أمر يشقيه ويعذبه كما نجد الشاعر قد استخدم ألفاظا جزلة في التعبير عن مدى وطول البعد وقوة الشوق حيث استخدم ألفاظ ذات حروف ممدودة يمتد فيها النَفَسُ ليعبر عن ألمه ونجد ذلك في جميع ألفاظ البيت الأول. فهو يقول إن التباعد المؤلم بينه وبين محبوبه أضحى هو السائد بعد القرب الذي كان وحل مكان اللقاء والوصل الجفاء والهجر.
2.      ألاّ وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ، صَبّحَنا*** حَيْنٌ، فَقَامَ بِنَا للحَيْنِ نَاعيِنَا
متابعة للفكرة التي تسيطر على هذه المجموعة من الأبيات، والتي يتحدث الشاعر من خلالها عن مدى الحرقة، والألم اللذين أصاباه في مقتل، حتى أوشك على الهلاك. ولعل الشاعر قد وفق في توظبف الألفاظ الدالة والمعبرة عن تجربته الحزينة، حيتما استخدم ألفاظًا تعضد تلك التجربة الصادقة مثل: البين، والحين، ولعل مما ساعد على تأجيج تلك العاطفة، توظيفه للغة توظيفا غير مباشر، وغير حقيقي، عندما اضاف الصبح للبين، مع ما بين المفردتين من مفارقات، فالصبح رمز التفاؤل، والأمل، تحول عند شاعرنا إلى معادل للفناء، والموت.
3.      مَنْ مبلغُ الملبسِينا، بانتزاحِهمُ*** حُزْنـاً، معَ الدهرِ لا يبلى ويُبْلينَا
4.      أن الزمان الذي ما زال يضحكنا*** أنــسا بقربهـم قـد عـاد يبكينا.
لا شك أن التعبير غير المباشر عن التجربة الشعرية يزيدها بريقًا، والقًا، لذا نرى الشاعر في البيت السابق يوظف الاستفهام لغير ما وضع له في الحقيقة، وذلك إظهار بغرض التوجع والتحسر والألم الذي حل به، ومما يدل على شدة معاناته انه راح يطلب من أي أحد أن يبلغ أولئك الذين ألبسوه هذا الثوب؛ ثوب الحزن الدائم، المتجدد وابتعدوا عنه(ويقصد هنا الواشين الذين فرقوا بينه وبين محبوبته) أن هذا الحزن ملازم له لا يفارقه حتى يهلك، وأن ضحكه قد تحول إلى بكاء دائم، و أن الزمان الجميل السابق والذي ملأ حياتنا أنسا، وحبورا، وسرورًا.. قد تحول، وتبدل.. فهو اليوم يبكينا، ويحزننا، وكأننا به وقد وصل به الضعف درجة يستعطف أولئك الشانئين أن يرقوا لحاله، وحال محبوبته وأن يتركوهما وشأنهما.
5- غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا***بأن نغص فقال الدهر: آمينا
ويستمر الشاعر في إرسال رسائله إلى محبوبته وإلى مستمعيه.. فيقول: بأن عذاله قد حنقوا عليه وعلى محبوبته لما بينهما من صفاء، وود، ومحبة، وأن الدهر قد استجاب لدعائهم وحقق لهم ما أرادوا من وقيعة بينهما فأصابهما الحزن والألم.

6-
فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا*** وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا
7-
وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا*** فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا
من الواضح أن هناك ترابطًا بين البيت السادس، وبين البيت الخامس، بحيث صار البيت السادس نتيجة طبيعية لكيد العدا، والعذال الذين ساءهم ما كان عليه الحبيبان من وفاق، وصفاء، ومودة..، فكان نتيجة ذلك كله أن تفرقنا، وتباعدنا، وانفرط عقد محبتنا، وما كان بيننا من وئام، واتفاق، حيث لم يكن يخطر ببال أحد منا أن يأتي هذا اليوم الحزين، الذي نفترق فيه فراقًا لا يرجى من ورائه لقاء، أو وصال.
8- يـا ليتَ شعرِي ولم نُعتِبْ أعاديَكم***هَـلْ نَـالَ حَظّاً منَ العُتبَى أعادينَا
9- لـم نعتقدْ بعدكـمْ إلاّ الوفـاء لكُـمْ*** رَأيـاً، ولَـمْ نَـتَـقـلّدْ غَيـرَهُ دِينَا
وفي لهجة المحب المنكسر.. والعاشق الواله، الذي يكتم الحسرات غصصا في قلبه يخاطب الشاعر، بل يعاتب، مستخدمًا أسلوب النداء وحذف المنادى، لأنه علم ومعروف، وليس بحاجة إلى تعريف.. فهل نال العدا من الرضا، مثلما نلنا من الهجران؟!، فكيف يتم ذلك؟!! ونحن الأوفياء، ونحن المخلصون على الرغم من هذا النأي، فليس لأحد أن يملأ هذا الفراغ الحاصل في قلبي سواكم.

10- مـا حـقّنا أن تُقِرّوا عينَ ذي حَسَدٍ*** بِـنـا، ولا أن تَسُرّوا كاشِحا فِينَا
11- كُـنّـا نرَى اليَأسَ تُسْلِينا عَوَارِضُه*** وَقَـدْ يَـئِـسْـنَا فَمَا لليأسِ يُغْرِينَا
ولايزال شاعرنا يعيش تحت تأثير العتاب العفيف، الخفيف، فأنى لشاعر مثل ابن زيدون أن يكون قاسيًا على محبوبه، فعلى الرغم من الصد ومن الهجران.. فلم يشعر يومًا بأنه ارتكب جرمًا يستحق كل هذا العذاب، وهذا النأي، فَيُقَرَّبُ الحسود وتقر عينه، ويسر الشانئ المبغض، ويشمت بهما!! وقد وصل به الأمر حدا صار اليأس سلواه التي يسري به عن نفسه، حتى استحكم اليأس من قلبه.
12- بنْتُمْ وبنّا فما ابتلّتْ جوانحُنا *** شوقاً إليكمْ ولا جفّتْ مآقينا
وهنا يفصح الشاعر عما يكنه من وفاء، وإخلاص لولادة ويبثها آلآمه ولوعته فقد ابتعدتم عنا وابتعدنا عنكم، ونتيجة هذا البعد فقد جفت ضلوعنا وما تحوى من قلب وغيره، واحترقت قلوبنا بنار البعد في الوقت الذي ظلت فيه (مآقينا: جمع مؤق وهو مجرى العين من الدمع، وجانبها من جهة الأنف) عيوننا تذرف الدمع من تواصل البكاء لأنه مشتاق محروم فلا أقل من أن يخفف همه بالبكاء ويسلي نفسه بالدموع.
13- نَكادُ حينَ تُناجيكمْ ضمائرُنا *** يَقْضي علينا الأسى لولا تأسّينا
ويستمر الشاعر في وصف الصورة الحزينة القاتمة فيقول: يكاد الشوق إليكم يودي بحياتنا لولا التصبر والتسلي، والأمل في اللقاء، حينما تعود به الذكرى على الأيام الخوالي، فيتصور الجمال والفتنة والحب والبهجة والأمل والسعادة، ويهتف ضميره باسمها، ويناجيها على البعد، لأنها قرينة روحه، وصنو نفسه، حينما يعيش أبعاد التجربة العذبة المؤلمة، ويوازن بين ما كان عليه وما صار إليه تقرب روحه أن تفارق جسده بسبب الحزن المفرط الذي يملأ جوانحه، لولا أنه يمني نفسه بالأمل، ويعزي روحه عن المحنة بالتصبر.

14-
حالتْ لفقدِكمُ أيامُنا فغدتْ*** سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
وإمعانا في تجسيد معاناة الشاعر يقول: لقد تبدلت الحياة الوادعة الهانئة الجميلة، وأظلمت الدنيا المشرقة الباسمة المضيئة، فجللها السواد وعمها الظلام ببعد ولادة.

15-
إذْ جانبُ العيشِ َطلْقٌ من تألّفنا**** ومربعُ اللّهوِ صافٍ منْ تصافينا
ويبدو الترابط بين الأبيات واضحًا، وما ذاك إلا لأن بعضها قد ترتب على بعض، وصار بعضها يكمل بعضها الآخر ويترتب عليه في المعنى، ففي هذا البيت يتذكر أيامه الهانئة مع محبوبته حيث كانت الحياة صافية متفتحة، وحيث كانا يجنيان ثمار الحب ما يشاءان، ومتى يشاءان، فهو يقول أن عيشنا الماضي كان طلقًا (مشرقًا) من شدة الألفة بيننا، وقوة الترابط، حيث اللهو، والسمر فيما بينهما، لا يعكر هذه الأجواء الوادعة حزن، ولا هم، ولا شقاق، ولا خلاف، ولهذا فهو صاف مثل المورد العذب الجميل، من شدة التتصافي، وخلو المودة مما يكدرها.
16- وَإذْ هَـصَـرْنَـا فُنُونَ الوَصْلِ دانية*** قِـطَـافُـهـا، فَجَنَيْنَا مِنْهُ ما شِينَا
واستكمالا للوحة الذكريات الجميلة الفاتنة، يستحضر الشاعر تلك المشاهد الرائعة التي عاشها مع ولادة: فقد كنا نستميل أصناف الوداد، والحب، والوصال المتنوعة، فنقطف منها ما نشاء.
الصور البيانية: ولعل هذا البيت قد اشتمل على صورة من أجمل صور الوداد حين شبه لنا الشاعر أصناف الوصل، والحب، والوداد بالأعناب الدانية القطاف، أو الثمار الدانية القطاف والتي في متناول اليد، والتي يتناول منها المرء ما يشاء، ومتى شاء، ولا إخالها إلا صورة جميلة مستوحاة من جمال الطبيعة الأندلسية الفاتنة
17- ليُسقَ عهدُكم عهدُ السرورِ فما*** كنتمْ لأرواحِنا إلاّ ريحانا
ويحلق الشاعر في عالم من الخيال، ويطوف به طائف من الذكرى الحلوة، فيدعو لعهد الوفاء بينهما بالحياة، والتجدد، والنماء... لأنه عاش فيه وصفت روحه به، وتلقى من محبوبته مشاعل الأمل وحب الحياة.. وهو دعاء يكشف عن الحنين إلى العهد الماضي، وعن جمال الذكرى، وإذا كان الفراق يغير المحبين، ويجعلهم ينسون حبات قلوبهم فلن يستطيع أن ينسى الشاعر هواه، بل يزيده البعد وفاء وإخلاصا، فما زالت أمانيه متعلقة بولادة وهواه مقصورا عليها فقد كانت الرياحين لروحه وما زالت كذلك.
18- لا تَـحْـسَـبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا*** أنْ طـالَـمـا غَـيّرَ النّأيُ المُحِبّينَا!
وفي محاولة من الشاعر لاسترضاء محبوبته، واستدرار عطفها، يرسم لنفسه صورة مثالية، ووضيئة، فهو من طينة ليست كطينة باقي المحبين، الذين يغيرهم البعد، فعلى الرغم مما حصل بينهما إلا أنه ما يزال نحافظًا على حبال الود، والوصل.
19- واللهِ ما طلبت أرواحُنا بدلاً**** منكمْ ولا انصرفتْ عنكمْ أمانينا

وزيادة في حب الوصال، راح الشاعر يرسل رسائل الطمأنة لمحبوبته، فهو يقسم لها بالله بأن قلبه لن يتعلق بغيرها ولم تتحول أمانيه عن حبها، ولقد كان اختيار الشاعر لكلمة (أرواحنا) موفقا إلى حد كبير، حيث ذكرت إحدى الروايات كلمة (أهواؤنا) بدل (أرواحنا)، على ما بينهما من فوارق بين الأرواح، والأهواء.
20- يا سارِيَ البَرْقِ غادِ القصرَ وَاسقِ به *** مَن كانَ صِرْف الهَوى وَالوُدَّ يَسقينَا
21- وَيَـا نسيــمَ الصَّبَـا بلّغْ تحيّتَنَا*** مَـنْ لَـوْ على البُعْدِ حَيّا كان يحيِينا
ولا شك أن الشاعر هنا يريد أن يشرك عناصر البيئة، أو الطبيعة في الوساطة بينه وبين ولادة من جهة، ومن جهة أخرى حيث راح يستعين بها لتحمل معه ثقيل أعبائه، فلعلها تقف بجانبه، وتخفف عنه من آلامه في وحدته، وغربته التي يعاني منها، والوقوف بجانبه، وفي مظهر حقيقي من مظاهر الود، والوفاء، والإخلاص راح الشاعر يستسقي المطر في ترفق ورجاء، ويطلب منه أن يبكر في إرواء قصر محبوبته بماء المطر العذب الصافي، لأنها كثيرا ما سقته الهوى خالصا نقيا من الخداع والزيف، ولا يكتفي الشاعر بالمطر.. بل راح يقصد نسيم الصبا لينقل تحياته إلى محبوبته التي لو ردت عليه التحية فإنها ستمنحه الحياة، وتبعث فيه الأمل.
22- وَاسألْ هُنالِكَ:هَلْ عَنّى تَذكُّرُنا*** إلفاً ، تذكُّرُهُ أمسَى يعنّينَا
واستكمالاً لمشهد الشوق والحنين، يحمل الشاعر مظاهر الطبيعة (نسيم الصبا) أمانة السؤال، والتقصي داخل القصر، أن كان بعده عنهم قد ترك أي أثر على محبوبته أم لا؟! ثم يبادر معبرًا عن مكنون صدره، وعن مرهف مشاعره، ورقيق إحساسه..الذي راح تذكره لها يسبب له الأرق، والمعاناة، والألم. ولعل اتكاء الشاعر على الاستعانة بمظاهر الطبيعة يوحي بانعدام، أو عدم جدوى المساطات بينه وبينها، مما اضطره للجوء لوساطات أخرى، يفرغ من خلالها شحنات عواطفه الجياشة، لعلها تهدئ من روعه، وتسكن من لظى حبه.
نظرات نقدية
أولاً: اللغة:
 الشاعر الجيد هو الذي يستطيع أن يتجاوز من خلال ألفاظه، وتراكيبه الإيحائية، وغير المباشرة.. قصور اللغة، وجمودها في تراكيبها العادية، والمعجمية، وذلك من خلال استغلال الطاقات الكامنة فيها، وأن يشحن لغته بالصور، والموسيقى، حيث أن دور اللغة لا يقتصر على كونها وسيلة من وسائل التعبير فقط، بل إنها تحتوي على خاصية جمالية فريدة، وقدرة فائقة في إثارة أحاسيس، ومشاعر القراء، ونقلهم إلى أجواء وعوالم نفسية جديدة.. وذلك فيما يعرف بالموسيقى الناتجة عن تآلف، وتآزر الألفاظ، والتراكيب ومن خلال قدرة الشاعر وتمكنه من تقنيات التقديم، والتأخير، والذكر، والحذف، وتوظيف الأساليب المختلفة من استفهام، وتعجب، وتمنٍ، وأمر...وغير ذلك من الأساليب التي يخرجها الشاعر عن حالتها الحقيقية المباشرة، إلى معان أخرى مجازية تزيد اللغة تألقًا، وإشعاعًا، وإيحائية، وقد وقفنا على جانب كبير من خلال تلك الصور البيانية، والأساليب المختلفة التي سلَّطنا عليها بعض الضوء في هذه الدراسة.
ثانيًا: الألفاظ
تعتبر الألفاظ المقوم الأساس الذي يقوم عليه الشعر قديمًا وحديثًا، فإن كانت المعاني هي روح الشعر، وموضوعه، فإن الألفاظ بمثابة الجسد للروح، وكما يقول الجاحظ فإن المعاني مطروحة في الطريق، فالموضوع لم يكن في يوم من الأيام هو الشعرية، إنما كيف تنتج الموضوع؟ وكيف تقول ما تقول؟ (أي بالألفاظ) فهذا هو الشعر، لذا فإن أهم عنصر في العمل هو القدرة على التشكيل.. أي صب المادة الخام (المعاني) في قالب (الشكل، أو اللفظ)، وذلك ما يعنيه الجاحظ بقوله: "إن المعاني مطروحة في الطريق"، ولكن المهم الصياغة الفنية، من خلال التشكيل اللفظي لتلك المعاني.
بالنظر إلى ألفاظ الشاعر في هذه القصيدة، نرى أنها تتسم بالرقة، والعذوبة، والوضوح، ولعل الموضوع الذي عالجه الشاعر (الغزل) يقتضي مثل هذه الألفاظ الشاعرية، التي يذوب الشاعر من خلالها في محبوبه، الشيء، الذي لا يعطي له مساحة كبيرة من الخيارات اللغوية، أو ليس عنده الوقت الكافي الذي يسمح له بانتقاء ألفاظه، بحيث تبدو غليظة، جافة، أو تحتاج لمعرفتها إلى اللجوء إلى المعاجم، والقواميس، ولهذا وجدنا الألفاظ قد فُصِّلت على قد المعاني دون كد للعقل، أو إجهاد للفكر.
ومن هذه الألفاظ: التنائي، والتداني، لقيانا، تجافينا وهي ألفاظ تتطابق وتتناسب مع موضوع الغزل الذي لا يخلو من نأي أحيانا، وتقارب أحيانا أخرى، لقاءات السحر والجمال تارة، ثم قد يتبعها الجفاء..وهكذا هي حال المحبين، والعشاق.
ثالثًا:
العاطفة هذا ولا يمكن لدارس الأدب أن يغفل هذا العنصر أثناء تحليله لأي نص أدبي؛ شعرًا كان أم نثرًا، لما لهذا العنصر من سحر يلامس شغاف قلب القارئ، ويمسه مسه شفيفًا، لطيفًا، يستطيع من خلاله أن يكتشف مدى تأثر الشاعر بحقيقة تجربته قوة، وضعفًا، وبالتالي.. فإن الأعمال العظيمة الذي ندين لها بالفضل، هي التي تقول ما كنت تود قوله، وهي التي تجعلنا نرى أشياء لم نرها من قبل أبدًا، أو رأيناه بعين مضطربة عاشية، ولن يتم ذلك إلا من خلال العاطفة الصادقة، والتي هي عبارة عن تضافر، وتفاعل مجموعة من مقومات النص التي لا يمكن لنا أن نفصل بعضها عن بعضها الآخر، ومنها: اللغة بألفاظها، وتراكيبها، وأساليبها، وصورها، وما ينتج عن ذلك كله من صور وخيال، والتي يستطيع الشاعر من خلالها أن يشرك القارئ في تجربته الخاصة، وأن يتفاعل معها وكأنه يعيش التجربة ذاتها، فإن استطاع الشاعر أن يصل بالقارئ إلى هذا المستوى من التأثير، والتأثر فقد نجح في تقديم نفسه وتقديم تجربته للآخرين، لأنه في هذه الحال يقدم تجربة إنسانية عامة، ولكن انطلاقًا من تجربته الخاصة.
رابعًا:
 الأساليب لاشك أن البيان، والتعبير يأخذ أشكالا كثيرة، ومتعددة، فقد يمكن أن يعبر الإنسان من خلال الإشارة، أو الإيماءة، أو الحركة، أو الكلمة، أو الصورة، أو التمثال (النحت) وغير ذلك من صور التعبير، فقد يظهر الرسام عواطفه من خلال اللوحة, وقد يظهر النحات عواطفه من خلال نحته، أما الأديب، الفنان فهو رسام يرسم بالكلمات، والكلمة هي المداد الذي يجسد من خلاله مشاعره، وأحاسيسه، و وجداناته، وعواطفه، واللغة هي مجموع المفردات، والتراكيب .. وينبغي أن تكون لغة الأدب مأنوسة أليفة, على علوها وشرفها بأن تكون لغته وسطاً بين لغة المتقعرين من الخاصة، ولغة العامة الركيكة. يقول أبو هلال العسكري " وأما المختار من الكلام فهو الذي تعرفه العامة إذا سمعته ولا تستعمله في محاوراتها"، "فخَيْر الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك" ولا يكون الكلام كذلك حتى يكون الأديب على قدر كبير من التمكن من أساليب العرب، من خبر، وإنشاء، وتقديم وتأخير، وذكر وحذف، وفصل ووصل..فإن تشر الأديب جميع هذه الفنون خرج كلامه مطبوعًا، بلا تكلف، وبلا عناء، ينساب من قلمه انسياب الماء من في السقاء، فمن فرط ثقته بنفسه، وامتلاكه لنواصي الكلام الجيد، لم يعد بحاجة للتعقيد، أو الإبهام، والتعمية، والأسلوب مفتاح شخصية الكاتب، ويدل مدى انسجامه مع ذاته، ومع بيئته، يقول الناقد الفرنسي (بوفون): الأسلوب الرجل، فالكاتب الموهوب هو الذى يملك الأسلوب المختلف، المتميز، هو الذى يمكنك أن تتعرف عليه من خلال مقالته أو قصته أو قصيدته، هو الذى يشعرك كلما قرأت له أن هناك كيانًا مستقلا يحاورك، فهو ذو طابع خاص، ونكهة، وبصمة مميزة.
خامسًا:
 الصور البيانية أما عن الصور البيانية فهي كثيرة ومبثوثة في أرجاء النص ما بين استعارات، وكنايات، وتشبيهات، ومجازات..وقد نوع الشاعر في ذلك كله تنويعًا كبيرًا، مستخدمًا أجمل ما في البيئة الأندلسية من عناصر، وقد ذكرنا بعضها أثناء تعليقنا المباشر على الأبيات، ويستطيع الطالب أن يستكشف هذا عالم الجمال، والبهاء بمفرده، وببساطة.
سادسًا:
الوحدة الموضوعية لم يكن بدعا على نونية ابن زيدون أنها تقتفي أثر الشعر العربي الأصيل، ويكفي أن نشير هنا إلى كثرة ما هاجر من كتب إلى الأندلس، فيها من الدواوين عدد جم وبخاصة دواوين الجاهليين والأمويين والمجموعات الشعرية الهامة كالمفضليات وشعر الهذليين والنقائض..، ولهذا نجد ابن زيدون لم يكن له أن يخرج عما سار عليه الأولون من الشعراء، والذين كان شعرهم عبارة عن بستان جميل فيه أصناف من الأزاهير المتنوعة، والمختلفة، ولا ضير في ذلك أن يتميز الشعر الغنائي العربي بهذه الميزة، لأنها طبيعة هذا النوع من الشعر الذي لم يكن له ليتميز بهذه الخصيصة لولا أنه غنائي، لأنه بوح الوجدان، والمشاعر والأحاسيس، ولهذا نجد الشاعر يتنقل من فكرة إلى فكرة حسب الدفق العاطفي الذي يسيطر عليه لحظة انفعاله، ويأتي تبعًا لذلك ألا يشمل القصيدة الغنائية وحدة عضوية متكاملة، بالمفهوم المتعارف عليه في النقد الغربي، ولكننا في الوقت نفسه نستطيع أن نلمس وحدة نفسية شفيفة تغطي النص الغنائي كله، ويجدر القول هنا أن هذا النوع من الوحدة (العضوية) يجب توفرها في الشعر المسرحي، والقصصي، لأن طبيعته تقتضي التسلسل، والترتيب.

منقول

Thursday, July 27, 2017

RELEASE HIS PRISONER أطلقوا له أسيره



RELEASE HIS PRISONER     أطلقوا له أسيره
Story of  Umayr ibn Wahb   قصة عُمَيْر بن وهب

Umayr ibn Wahb  was the father of Wahb ibn Umayr . Both participated in the Battle of Badr, and although Umayr escaped, his son was taken prisoner by the Muslims.
Since Umayr ibn Wahb  had persecuted Muslims earlier, he feared the well-being of his son, especially since he remembered the many Meccans killed in Badr. He then conspired with Safwan ibn Umayyah to kill Muhammad. Safwan agreed to take all of Umayr's debts in order for Umayr to go to the Muslims and kill Muhammad.
When he got there, he was recognized by Umar ibn al-Khattab, who said:
“ This is the dog, the enemy of God, Umayr ibn Wahb. By God, he has only come to do evil. He led the Mushrikeen against us in Mecca and he was a spy for them against us shortly before [the Battle of] Badr. Go to the Messenger of God, stand around him and warn him that this dirty traitor is after him.”
Umayr was arrested and brought to Muhammad, who gave him a warm welcome and asked for his motives. He replied that he wanted the Badr captives to be released. Muhammad inquired about the sword that Umayr brought with him, and then retold for Umayr the exact events that led him there, including his secret conversation with Safwan ibn Umayyah. Umayr was so awe-struck that he immediately said his shahada, hence becoming a Muslim. Muhammad then said to his companions, "Instruct your brother in his religion. Teach him the Qur'an and set free his prisoner Wahb ibn Umayr."
Later, at the Conquest of Mecca, he helped Safwan ibn Umayyah obtain amnesty, resulting in his also becoming a Muslim.

Edited by majeedjnu@gmail.com                                                Source: Wikipedia on 27/7/17

Thursday, July 13, 2017

شرح قصيدة ’هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ‘ - فرزدق



هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

لما حج هشام بن عبد الملك في أيام خلافة أبيه، فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة ؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً فقال الفرزدق: أنا أعرفه فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس ؟ فقال :
1  هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
أراد الفرزدق أن يعرّف هشام، أو يذكّره بأن هذا الرجل، ليس نكرة، فهو معروف لدى مكة المكرمة كلها، ومنها بيت الله الحرام، ومواقع الحل، ومواقع الإحرام.. فالبطحاء هي ”أرض مكة المكرمة“، بحلّها وحرامها، تعرف رجله ودخوله، وبيت الله يعرفه ايضا.. وإذا كان هشام بن عبدالملك زعم أمام الناس أنه لا يعرف هذا الرجل الذي حظي باحترام الكل، فليس أدل على جهله، فمكة الطاهرة  بحلها وحرمها  بالإضافة الى بيت الله تعرفه وتعرف وطأته، ما يدل  بلا شك  على إيمان هذا الرجل، وعمق علاقته بالمولى جلّ شأنه، بدليل كثرة تردده على هذه المواقع المقدسة.
إن مصادر الفخر كثيرة وعديدة، منها المال والجاه، لكن أول وأهم ما يفخر به العبد على غيره من عباد الله هي علاقته وقربه من الله جل شأنه، لذلك لم يبدأ الفرزدق بشيء في الحديث عن هذا الرجل، غير أنه على علاقة وطيدة بالمولى وبالمقدسات الإلهية، فكان أول إجابة على السؤال الهشامي، الاستنكاري طبعا.
وقد أوصل الشاعر هذه الفكرة بصورة فنية لافتة، تتمثل في الاستعارة المكنية التي تتمثل في جعل الأرض والكعبة على هيئة بشر ذات معرفة وذاكرة، التي تعرف ”وطأة“ علي السجاد، وهي الجماد، ولم يقل  باللفظ الحقيقي  ان السجاد هو الذي يعرف هذه الأرض، لكثرة ترددّه عليها.. فالحل «المواقع في أطراف مكة التي يحق لقاصد مكة ان يصلها بدون إحرام»، يعرفه حينما يأتي من خارج مكة لأنه من سكان المدينة المنورة، والحرم يعرفه أيضا لأنه ملتزم بشعائر الله، فلا يدخل مكة الا محرما، والبيت يعرفه أيضا لأنه https://www.jhaina.net/images/prefix/a2.gifيأتي مكة المكرمة للتجارة مع الله، لا لغرض آخر، والعرف يقول أن الأرض تعرف من يكثر التردد عليها، وإن رجلا تعرفه كل هذه المواضع هل يكون مجهولا؟
***
2  هذا أبن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
حينما ابتدأ الشاعر بوصف زين العابدين، جاء بإسم الإشارة ”هذا“ وهو الإسم الذي يدل على القريب، بخلاف ذلك، وذاك وتلك، فهي اسماء أشارة للبعيد، وذلك للدلالة على ان هذا الرجل قريب من الناس، معروف لديهم، وما أقوله أنا «الفرزدق» هنا نوع من الإضافات لمن لا يعرف، او لمن لا يريد أن يعرف، وكأن الفرزدق أراد الإشارة الى جهل هشام أو تعمّده الجهل، بدليل أنه لم يعرف هذا الرجل الذي هو ابن خير عباد الله كلهم، أي ابن رسول الله، فهل أحد بموقع هشام يجهل ابن نبيّه؟
وهنا نقطتان أرى من الجدير التوقف عندهما:
أولا: ارد الفرزدق أن يوجه طعنة نجلاء لهشام حينما تحدث عن ”خير عباد الله كلهم“، وهو الذي يفخر بأصله الأموي، الذي وصفه به شاعرهم جرير بقوله: ”ألستم خير من ركب المطايا“، بالتالي فإن جهل هشام وفخره باتا في خبر كان بعد هذا الوقف، فهذا الرجل ابن رسول الله.
ثانيا: رغم طهارة النسب، وعلو قامته، إلا أن صفات شخصية أخرى يتصف بها هذا الرجل تزيده فخرا على فخر، تتمثل في كونه ”تقيا، نقيا“، وكلا الصفتين تحملان العديد من المعاني خلاصتها ان زين العابدين من أهل التقوى، أي لا يجده الله الا طائعا، ولا يراه عاصيا، بل هو على درجة عالية من الطهارة، بلغت درجة النقاء، التي لا يدنسه شيء، من الناحية المعنوية والمادية على حد سواء، فوق هذا وذاك فهو سيد في قومه.
خلاصة هذا البيت «باختصار» أن عليا السجاد يفخر  على لسان الفرزدق  من خلال النسب المتصل برسول الله، وعلي بن ابي طالب، والحسن والحسين، وفاطمة، وكذلك من خلال التقوى والإيمان والطهارة المادية والمعنوية، وليس هذا وحسب، بل هو كبير المتقين الطاهرين، وذلك مصداق الدعاء الوارد في آية من القرآن الكريم: ”واجعلني للمتقين إماما“، وتلك إشارة من الشاعر الى الحاكم بأنك أيها الحاكم تتعمد تجاهل شخصية غير عادية، وهذا ظلم.
***
3  هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجدّه أنبياء الله قد ختموا
بعد عرض أهم صفات الإمام السجاد الخلقية، يدخل الفرزدق في شيء من التفاصيل، فيورد حقيقة واضحة أخرى، لا لبس فيها ولا خلاف عليها، فهذا الرجل  إذا كنت يا هشام جهلت او تجاهلت أخلاقه وتدينه وإيمانه  فهو ابن فاطمة الزهراء، وجدّه محمد بن عبدالله «خاتم الأنبياء»، ولا فخر بنسب بعد هذا النسب.
وحينما يتحدث شخص لآخر، فيورد البديهيات، ويعرض الحقائق الواضحة، فهذا يدل  بكل تأكيد  على أن الطرف الآخر في أدنى قيعان الجهل، حيث لا يعرف تلك الحقيقة.. هذا ما فعله الفرزدق، فقد تدرج في إسلوب العرض، ففي البداية قال عنه بأنه من الصالحين المؤمنين المتقين، ثم انتقل إلى انه ابن خير عباد الله كلهم، ثم انتقل إلى التصريح بمن هؤلاء «خير عباد الله كلهم»، وهم محمد وابنته فاطمة، وبعلها وأولادها، وكأنه يقول لهشام ”أي جهل عميق وقعت فيه يا هشام، بأن تجهل مثل هذا الرجل الواضح، الذي تعرفه الجمادات، ويعرفه الناس، وإذا كنت مصرّا على جهلك، فإنه ابن رسول الله، خاتم الأنبياء، والمرسلين“، وقد قال بانه ابن فاطمة في إشارة إلى ان هذا الرجل يفخر بأمه وأبيه فضلا عن أبيه وجده.
وهنا ملاحظة أن الفرزدق لم يعلم بأن بعض المشككين سوف يظهرون بعد سنوات طويلة من قراءة هذه القصيدة، ليتحدثوا عن أن الشاعر «الفرزدق أو غيره» لم يمدح زين العابدين، بينما مدح أحد أبناء جعفر الطيار «رضي الله عنه»، ولذلك جرت على لسانه  دون أن يشعر بهذه القصة التي سوف تحدث فيما بعد  وقال بأنه ابن فاطمة، وأبناء جعفر الطيار، مع صلاحهم وسيرتهم العطرة، ليسوا ابناء فاطمة، وإنما هم أبناء اسماء بنت عميس «رضي الله عنها».. إن ورود القصيدة بهذا اللفظ وهذا المعنى ينفي مقولة أن القصيدة قيلت في غير علي بن الحسين https://www.jhaina.net/images/prefix/a2.gif.
***
4  وليس قولك من هذا بضائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم
هنا، يدخل الفرزدق إلى نقطة الخلاف مع هشام، قال له بأن إنكارك لهذا الشخص عيب فيك، وليس فيه، لأنه شخص معروف لدى الجميع، فما عربي ولا عجمي لا يعرف عليا بن الحسين، وتجاهلك له لا ينقص منه شيئا، أي ليس بضائره «أي لا يضره شيء»، وربما أشار إلى ان زين العابدين عربي من جهة الأب وهو الحسين بن علي https://www.jhaina.net/images/prefix/a2.gif، وفارسي من جهة الإم.. فهو معروف على صعيد أوسع من مكة المكرمة.
وقد وجّه الفرزدق تهمة صريحة لهشام بأن قول: ”من هذا“، ليس سؤالا استفهاميا، بقدر ما هو سؤال استنكاري، ينطوي على استصغار لهذا الشخص، لذلك لم يكن من الفرزدق إلّا أن رد عليه، بأن الذي انكرت ليس شخصية عادية يمكن تجاهلها، وإنما هو شخصية نموذجية يصعب الوصول لها.
وأضاف الفرزدق صورة أخرى بقول إن الشخصيات العظيمة ذات الشرف الرفيع والإيمان العميق، والطهارة والسمو، لا تضرّها كلمات تأتي من هنا وهناك، بالتالي فإن سؤال ”من هذا؟“ الاستنكاري، ليس بذي قيمة تذكر في هذا الشأن، اليس غريبا أنك لا تعرف شخصا تعرفه العرب والعجم؟
***
5  كلتا يديه غياث عمّ نفعهما
يستوكفان ولا يعروهما عدم
بعد أن يقدم الشاعر الصفات المثلى للإمام زين العابدين، وهي الإيمان، والنسب والحسب الشريفين، والسيادة في القوم، يواصل عرض صفات أخرى تأتي نتيجة الإيمان بالله أولا، ومما يتفاخر به العرب ثانيا، فيقول ان الإمام يتسم بالكرم، وأي كرم؟ إنه الكرم الذي لا يختلف عن المطر الذي لا يتوقف ولا ينضب وليس له حد معين..
فكلتا يديه غياث «مطر» عم «شمل واتسع» نفعهما، وهما يستوكفان «يطلبان» ولا يعتريهما أو يصيبهما عدم.. وهنا تشبيه بليغ حيث وصف الشاعر يدي الإمام بأنهما ”مطر“ دون ذكر أي علامة للتشبيه «مثل الكاف أو مثل»، وقد ذكر وجه الشبه وهو عموم النفع وشمولية الطلب، وعدم التوقف عن العطاء. لقد وصف الفرزدق كرم الإمام دون أن يطلق كلمة ”كرم أو جود او سخاء“، وإنما انطلق مباشرة بإطلاق التشبيه والقول بأن الإمام يملك يدين كل واحدة مثل المطر، الكل يطلب عطاءهما، ومع ذلك لا يتوقف هذا العطاء.
لقد أراد الفرزدق القول بأن كرم وسخاء الإمام السجاد ليس محدودا بحد، ولم يقتصر على القرباء، أو أهل المدينة مثلا، وإنما كرمه عام على الكل، فهو معين سماوي لا ينضب، فهل هذا الرجل يمكن إنكاره؟!
***
6  سهل الخليقةلاتخشى بوادره
يزينه اثنان: حسن الخلق والشيم
على المنوال نفسه، ولكن نحو موضوع آخر، وصفة أخرى من صفات الإمام السجاد، فهو «سهل الخليقة»، أي ذو سجية سهلة وطبع يسهل التعامل مه، حيث «لا تخشى بوادره»، فهو لا يملك رغبة في الانتقام ورد الفعل الحاد، فهو ”حليم، ويزدان حلمه بصورة جميلة، وبذلك يكون جميلا في الشكل والمضمون، بمعنى أنه يملك صفتين متداخلتين مع بعضهما، فهو يحمل الطباع الطيبة، لدرجة انه في حال الغضب لا يخرج عن الحق، ولا تصدر منه مواقف ذات صفة انتقامية، وفي الوقت نفسه فهو يحمل منظرا جميلا، وربما كان الجمال الظاهري نتج عن الجمال الداخلي الذي يتصف به، والمتمثل في السجية أو الطبيعة اللينة السهلة.
***
7  حمّال أثقال أقوام إذا افتدحوا
حلو الشمائل تحلو عندهم ”نِعم
8  ما قال ”لا“ قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاءه ”نعم
9  عمّ البرية بالإحسان فانقشعت
عنها الغياهب والإملاق والعدم
10  إذا رأته قريش قال قائلها
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إن الإمام السجاد يحمل عن الناس أثقالهم وهمومهم في حال المصيبة الفادحة، فضلا عن المصيبة السهلة الأقل فداحة، أي أنه يعيش مع الناس، ويشعر بكل معاناتهم، ويتحمل معهم تلك المعاناة، لذلك ليس غريبا أن يبتعدوا عنه كي يستلم الحجر، ولا يفسحون المجال إلى آخر يتعامل بفوقية واستكبار وسلطوية.
واستخدم الفرزدق لفظة ”حمّال“ وهي صيغة مبالغة على وزن ”فعّال“، للتأكيد بأنه كثير الحمل لهذه الأثقال والتي تعني الهموم والمصائب، بمعنى أن مستوى الشعور بالمسؤولية تجاه الغير، ومساعدة من يحتاج تتم بصورة غير قليلة وغير محدودة، فهو حلو الشمائل تحلو عنده النعم.
لقد بلغ الجود لديه، وتحمل مسؤولية الآخرين، حدا أن كلمة ”لا“ غير موجودة في قاموسه، بل أن كلمة ”نعم“ هي الأصل، ولا يذكر لفظ «لا» إلا في التشهد وإعلان الوحدانية «اشهد ألا لا إله إلا الله».
وهذه صورة تشير إلى مستوى الكرم وحب العطاء المتكن من الإمام السجاد، الذي بلغ حدا أنه لا يعرف في قاموس ألفاظه كلمة ”لا“ إلا في التشهد، الذي هو إقرار لله بالوحدانية، وإذا كانت صفة الكرم من الصفات التي يتفاخر بها العرب، فإن كرم زين العابدين بلغ حدا أنه لا يرفض لأحد طلبا.
ولا يتوقف الشاعر في وصف الصفات الناجمة عن طيب السجية، وشمول العطاء، ويتطرق إلى فكرة سبق أن ذكرها، لكن بصورة أكثر بلاغة دقة، فالإمام هنا ذو خير على البرية جمعاء، ومن إحسانه انتشرت قيم العلم، وتراجعت حالات الجهل «الغياهب»، والفقر «الإملاق» والتخلف «العدم».
وتظهر هنا حقيقة أراد الشاعر أن يقولها، وهي أن وجود الإمام السجاد هو رحمة للناس، وإن إمامته للأمة يحمل في ذاته الخير التي يتراجع معه كل شر، ما يعني أن غيابه يعني شيوع حالات الفقر والجهل والدمار، بالتالي فإن هذا الإمام هو قمة الكمال، لذلك ليس غريبا ان يتحدث عنه قريش بأن الكرم ينتهي بالوصول إلى كرم هذا الرجل.
إن الفرزدق لم يكتف بالحديث عن نفسه، ويصف الإمام زين العابدين بصفات عدة، ويستعرض بعضا من صفاته، ويعبر عن وجهة نظره هو، لكنه هنا ينتقل لنقل آراء الآخرين، وموقفهم، وما يقولون عن هذا الذين استهان به هشام بن عبد الملك، ليؤكد أن قريشا نفسها، وهي أشهر وأقوى القبائل العربية وأعرقها نسبا إذا رأت هذا الرجل قال فيه ما لا يقال في غيره، حيث تقول بأن المكارم تتوقف عند مكارم هذا الشخص، فكل المكارم تتضاءل عند مكارم علي بن الحسين.
وكأنما أراد الفرزدق أن يقول لهذا الأموي بأن الفضل الذي يجهله هذا الرجل هو محط إجماع لدى القرشين، فالعرب والعجم والأرض والناس، بل وحتى قريش الذين يفخر الأمويون بأنهم مهم يعترفون بالفضل لهذا الرجل.
***
11 يغضي حياء ويغضي من مهابته
فما يكلم إلا حين يبتسم
12  بكفه خيزران ريحه عبق
من كف أروع في عرنينه شمم
في هذين البيتين نجد زين العابدين يغضي «يخفض بصره» حياء، ويخفض الآخرون أبصارهم حياله لهيبته، فلا يتكلم ولا يكلمه أحد إلا بعد أن يبتسم، وذلك في إشارة إلى قوة شخصيته وعظم تأثيره في الطرف الآخر، وهو أيضا بكفيه خيزران ريحها طيب، من كف أروع «في الحسن والبهاء والهيبة» في عرنينه «أنفه» شمم «رفعة».
ويدمج الشاعر الصفات الشخصية الداخلية، مع الصفات الخارجية الشكلية فينتقل من بستان إلى آخر، ويقطف ورودا هنا وهناك، فالفرزدق راح يصف بعض السلوكيات الشخصية التي يتصف بها علي بن الحسين فيقول عنه بأنه شديد الحياء، والحياء شعبة من الإيمان، تصل إلى حد أنه ينزل رأسه أمام أي شخص يلتقيه، ولا يتحدث مع أحد إلا بعد أن يبتسم احتراما وتقديرا.. ومع كونه شديد الحياء لكنه ذو شخصية قوية مؤثرة، تجعل من الآخر في الوقت نفسه ينتظر بسمته حتى يتحدث معه، وذلك في صورة آخر للبيت نفسه.
واحتوى البيت صورة فنية في كلمتي ”يغضي“ التي تنطوي على معنى مغاير لكلمة ”يٌغضى“، فالأولى تعني أنه شديد الحياء، وأنه قد أنكس رأسه للطرف الآخر، بينما الثانية تعني أن الآخر هو الذي أغضى، ومع ذلك فالكلمتان يتشابهان في عدد الحروف، فهنا كلمتان تجمعان الشيء ونقيضه، من خلال كلمتين متشابهتين بالكامل، فهو يغضي ويغضى في آن واحد، عدا أنه حين يغضي ”حياءليس من ضعف، ويغضى لهيبته، وليس لتسلط وجبروت.. والصورة الثانية التي تتجلى من خلالها عظمة الشاعر همام بن غالب حينما يورد كلمة تحتمل معنيين وهي يكلم“، فتارة تقرأ فعلا مضارعا مبنيا للمجهول فيقصد بها أن الإمام السجاد لا أحد يكلمه إلا بعد أن يبتسم هو، وذلك لما يملكه من الهيبة، بينما يمكن أن يقرأ هذا الفعل مضارعا معلوما ”يكلّم“ بكسر اللام، أي أن الإمام لا يتكلم مع أحد الا بعد أن يبتسم، في إشارة إلى حسن معشره، وطيب خلقه، وكلا الصفتين تنطبقان على هيبة الإمام وحسن معشره وطيب خلقه.
***
13  يكاد يمسكه عرفان راحته
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
14  الله شرفه قدما وعظمه
جرى بذاك له في لوحه القلم
يقرر الفرزدق هنا قيمة العلاقة القائمة بين الإمام زين العابدين مع بيت الله، ليقول بأن الحطيم «ما يحيط بالكعبة» يعرف هذا الرجل، كما يعرفه الحل والحرم، وأرض مكة كلها، وليس وحسب بل أن الحجر الأسود من شدة حبه لهذا الرجل يكاد يمسك يده من شدة حبه. هنا ينشئ الفرزدق علاقة ود وحب بين الحجر الأسود وزين العابدين، والسبب في ذلك ان الله جل شأنه شرّف هذا الرجل وعظمه في لوحه المحفوظ.
وهنا صورة بلاغية جميلة، تكمن في العلاقة الحميمة بين الإمام السجاد والحجر الأسود، هذا الحجر صار يملك عاطفة وشعورا كبيرا بالمودة والسعادة حينما يأتي ابن الحسين لكي يستلم، فالمسألة ما عادت معرفة فقط، لكثرة الترداد، وإنما هي حب وعلاقة ود.. وهنا طعنة أخرى لطغيان بني أمية الذين يبغضون شخصا كل الخلائق وحتى الجمادات تودّه وتحبه، وليس هذا وحسب بل أنهم يبغضون شخصا شرّفه الله وعظمه، فالأمويون  بهذا  ضد كل شيء إيجابي، يكفي أنهم ضد الله جل شأنه، فالله يعظم رجلا، وهم في المقابل ينكرون عليه ذلك، بل ينكرون فضل إنسان كتب له مقام في اللوح المحفوظ.
***
15  أيُّ الخَلائِقِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ
لأوّلِيّةِ هَذا، أوْ لَهُ نِعمُ
16  مَن يَشكُرِ الله يَشكُرْ أوّلِيّةَ ذا
فالدِّينُ مِن بَيتِ هذا نَالَهُ الأُمَمُ
17  يُنمى إلى ذُرْوَةِ الدّينِ التي قَصُرَتْ
عَنها الأكفُّ، وعن إدراكِها القَدَمُ
18  مَنْ جَدُّهُ دان فَضْلُ الأنْبِياءِ لَهُ
وَفَضْلُ أُمّتِهِ دانَتْ لَهُ الأُمَمُ
19  مُشْتَقّةٌ مِنْ رَسُولِ الله نَبْعَتُهُ،
طَابَتْ مَغارِسُهُ والخِيمُ وَالشّيَمُ
20  يَنْشَقّ ثَوْبُ الدّجَى عن نورِ غرّتِهِ
كالشمس تَنجابُ عن إشرَاقِها الظُّلَمُ
يوضح الفرزدق أن عظمة زين العابدين، جاءت من ارتباطه وتمسكه بالإسلام، وتعلقه بعظمة رسول الاسلام، بالرابط النسبي والرابط المبدئي، فهذا الرجل جاء من اصل طاهر، ومن تربية صالحة، ومن بيت يتسم بشمولية خيره على البرية أجمع، وإن النعم والأنوار التي تظهر من بيت رسول الله، ويجسدها زين العابدين تتمثل في العديد من المعاني والأفضال والنعم، ليس أقلها نعمة الاسلام التي ظهرت من هذا البيت، ومنه انتشرت الى العالم، فالدين انتشر عن طريق رسول الله .
على ضوء ذلك، فإن من يشكر الله على نعمه الكثيرة وأبرزها نعمة الدين، لابد وأن يشكر عباده الذين نشروا هذا الدين، وبذلوا الغالي والنفيس من أجل الرسالة، فمن لا يشكر المخلوق لا يشكر الخالق، فلا بد  وكما يقرّر الشاعر أيضا  بأن من يشكر الله على هذه النعمة، لا بد وأن يشكر تميز واسبقية وأولية وفضل زين العابدين ف ”الدين من بيت هذا ناله الأمم“، ويكفي هذا الأمام العظيم أن اصله وطينته مشتقة من النبي ، لذلك طابت مزاياه، واخلاقه، ومواقفه، التي عبرّ عنها الفرزدق ب ”الخيم“ وهي الاخلاق، و”الشيموهي المباديء والمواقف.. فهو نور من نور رسول الله، ومن هذا النور تنجاب ظلم الجهل والغفلة والانحراف.
واعتمد الفرزدق عدة آليات فنية لإيصال الصورة، والتي أساسها عظمة وسمو زين العابدين، فتارة بطريقة السؤال الذي هدفه الإقرار، والتحدّي أيضا، وتارة أخرى بطريقة مجازية فحين يقول "ينمي الى ذروة الاسلام التي قصرت عنها الأكف وعن إدراكها القدم»، حيث أن زين العابدين يتنمي الى الاسلام، وقد فهمه فهما عميقا، والتي عجزت الكثير من الناس، التي وصفها بالأكف والاقدام، وهو يقصد بذلك العقول والافكار.. ولا يكتفي بذلك بل يلجأ الى التشبيه، وهو ارقى وسائل التعبير البلاغية وذلك حين يشبه زين العابدين بالشمس التي متى أضاءت انجلت الظلمة لضوئها، وفي إشارة إلى أن الحياة بدون هذا الرجل وما يمثله هي جهل وظلالة وانحراف.
***
21 من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ كُفْرٌ،
وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ
22  مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ،
في كلّ بَدْءٍ، وَمَختومٌ به الكَلِمُ
23 إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ
أوْ قيل: «من خيرُ أهل الأرْض؟» قيل: هم
24  لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بَعدَ جُودِهِمُ
وَلا يُدانِيهِمُ قَوْمٌ، وَإنْ كَرُمُوا
25  هُمُ الغُيُوثُ، إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ،
وَالأُسدُ أُسدُ الشّرَى، وَالبأسُ محتدمُ
26  لا يُنقِصُ العُسرُ بَسطاً من أكُفّهِمُ
سِيّانِ ذلك: إن أثَرَوْا وَإنْ عَدِمُوا
27  يُستدْفَعُ الشرُّ وَالبَلْوَى بحُبّهِمُ
وَيُسْتَرَبّ بِهِ الإحْسَانُ وَالنِّعَمُ
لم يكتف الفرزدق بالحديث عن الصفات الشخصية لزين العابدين، والتي جعلت منه عظيما، وأبرزها انتماؤه للإسلام، وارتباطه برسول الله ، وإنما ينتقل نقلة قوية ليتحدث عن مسألة مبدئية عقدية، ربما حسمت الجدل الطويل عن كون الفرزدق شيعيا علويا او أمويا، فهو يقول هنا بأن زين العابدين جاء من معشر وأهل بيت حبهم دين وبغضهم كفر، وهذه مسألة من صميم مذهب أهل البيت، ويضيف على ذلك جملة: ”قربهم منجى ومعتصم“، ليؤكد عقيدة الشيعة التي تقول بأنهم سفن النجاة وعين الحياة..

فالفرزدق  كما تعلّمنا في المرحلة الثانوية  يدمج شعره في هذه القصيدة بعقيدته الدينية، كونه اعتبر حب أهل البيت دينا، وبغضهم كفرا، وزاد على ذلك بأن ذكرهم مقدّم بعد ذكر الله، جل شأنه، ليقرر بعد ذلك بأنهم اهل التقى و”ائمتهم“ خير أهل الأرض.. وليس هذا وحسب بل أن جوادا لا يصل الى جودهم، وكريما لا يصل الى مقاماتهم الرفيعة، ولا يصل أحد الى شجاعتهم، فهم الاسود اذا احتدمت المعارك، وهم الأمطار اذا اشتد الجوع والعطش، وأياديهم مبسوطة عند كل عسر ويسر، (سيان " تثنية السى وهو المثل، يقال: هما سيان اى مثلان.وأثرى أى كثر ماله. و المعنى أن اكفهم في حال الغنا والفقر سواء) وفوق كل ذلك فبهم وبحبّهم يستدفع البلوى، وتزداد النعم، فهم رحمة الله الواسعة في هذه الأرض، هم اهل الكمال والجمال، والتقوى والإحسان، والخير والبركات، والجود والشجاعة.

وبهذا الموقف، وهذه الصفات، كأن الفرزدق يريد القول لهشام وللحكام من بعده إن شخصا بهذه المواصفات المثالية، واسرة بهذه الروح، وهذا العطاء، هل يستحقون من الأمة القتل والتعذيب والتشريد والسجن والتجاهل، أم يستحقون التقدير والاحترام والحب؟
وبذلك قرّر الشاعر حقيقة اثبتت ”كفر“ هشام وزمرته، وهي أن ما بين الإيمان والكفر هو حب أهل البيت، فمن يحبّهم بقى في الدائرة، ومن يبغضهم يخرج منها، ومن يتطلع إلى النجاة، عليه بهذه السفينة، والا فالغرق نصيبه، فبهم يستدفع البلوى ويستزاد الاحسان والنعم
قل لي بربّك، هل يقول هذا الكلام أموي، يعمل على طمس نور أهل البيت، والقضاء على ابنائه؟
***
في ختام هذه القراءة المختصرة لهذه القصيدة، التي يعدّها الكثير من النقاد أفضل ما أبدعته قريحة الشاعر الفرزدق، بدت لنا ملاحظات ختامية:
اولا: القصيدة رغم شهرتها الذائعة، فهي تعد قصيرة، ففي ديوان الفرزدق لا تتعدى 27 بيتا، وهناك روايات أخرى تضيف وتنقص، ولكن الأصل في هذا الشأن ان القصائد لا توزن بعدد الأبيات، وإنما بما تحمله من معان وما تتضمنه من ألفاظ، تعكس العاطفة الفعلية للشاعر.. ومع هذا القصر في القصيدة الا أنها حفلت بالعديد من الصور التي تستحق التوقف، فهناك عدد من التشبيهات والاستعارات، والمجازات، وخلت من التكرار والعك اللفظي، وإن تكرّرت المعاني وأبرز المعاني التي تحدثت عنها القصيدة هي كرم وجود أهل البيت.
ثانيا: القصيدة في مجموعها تحتوى وحدة موضوعية تناولت سيرة علي بن الحسين زين العابدين، وأكدت على أن عظمته جاءت من عمق علاقته بالله أولا ثم اشتقاق نبعته من نبعة رسول الله.
ثالثا: جاءت القصيدة بألفاظ سهلة للغاية، بل وفي معظمها، ذلك على عكس ما عرف عن الفرزدق من غرامه بالألفاظ والكلمات الغريبة الصعبة، وأظن ان لهذا الأمر سببا رئيسا، وهي ان ثمة صدقا في العاطفة الدينية قائم في كافة ابيات القصيدة، وسمة هذا الصدق أنه أعلى وأرفع من الماديات، فلم يطلق الفرزدق العنان لقريحة الشعر وهو ينتظر مكافأة مادية من قبل زين العابدين، فضلا عن أن هذه القصيدة وبهذه الصيغة قد تجر عليه غضا من قبل الحاكم، وهذا ما جرى بالفعل، إذ تم اقتياده للسجن بسبب هذه القصيدة.
إن معظم ما ورد في القصيدة جاء منطلقا من عاطفة دينية، فالشاعر امتدح زين العابدين من منطلق ”غيرة“ على الدين، لذلك وجدنا أبيات القصيدة مليئة بالعبارات الدينية، وتلك صورة أخرى مغايرة لما كان عليه الفرزدق في صراعه مع جرير حيث كان دائما ما يفخر بأهله وقبيلته، كونه من قبيلة ذات مجد رفيع، بعكس قبيلة جرير.. فالعاطفة الدينية تجلّت في هذه القصيدة لذلك اعتبرت من اروع ما أبدعه الفرزدق، لتؤكد تشيّعه، وأموية جرير، وتفوق الأول وشجاعته بسبب هذا الموقف.
أما ما قيل حول ان هذه القصيدة ليست للفرزدق، أو هي له ولكن ليست مدحا لزين العابدين، فتلك مقولات ضعيفة وغير مقنعة.

 د/ عبد المجيد تي ، كلية فاروق (منقول بتصرف من مقالة سلمان محمد العيد من صحيفة الجهينية)